فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 436

إنه لا يوجد حقيقة بمجرد إعلان القاعدة النظرية؛ ولا بمجرد اعتناقها؛ ولا حتى بمجرد القيام بالشعائر التعبدية فيها. . إن هذا الدين منهج حياة لا يتمثل في وجود فعلي، إلا إذا تمثل في تجمع حركي. . أما وجوده في صورة عقيدة فهو وجود حكمي، لا يصبح [حقًا] إلا حين يتمثل في تلك الصورة الحركية الواقعية. .

وهؤلاء المؤمنون حقًا، لهم مغفرة ورزق كريم. . والرزق يذكر هنا بمناسبة الجهاد والإنفاق والإيواء والنصرة وتكاليف هذا كله. . وفوقه المغفرة وهي من الرزق الكريم. بل هي أكرم الرزق الكريم.

ثم يلحق بالطبقة الأولى من المهاجرين المجاهدين، كل من يهاجر بعد ذلك ويجاهد - وإن كانت للسابقين درجتهم كما تقرر النصوص القرآنية الأخرى - إنما هذا إلحاق في الولاء والعضوية في المجتمع الإسلامي:

(والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم) . .

ولقد ظل شرط الهجرة قائمًا حتى فتح مكة؛ حين دانت أرض العرب للإسلام ولقيادته، وانتظم الناس في مجتمعه. فلا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد وعمل. كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم غير أن ذلك إنما كان في جولة الإسلام الأولى التي حكم فيها الأرض ألفا ومائتي عام تقريبًا؛ لم ينقطع فيها حكم شريعة الإسلام، وقيام القيادة المسلمة على شريعة الله وسلطانه. .

فأما اليوم وقد عادت الأرض إلى الجاهلية؛ وارتفع حكم الله - سبحانه - عن حياة الناس في الأرض، وعادت الحاكمية إلى الطاغوت في الأرض كلها، ودخل الناس في عبادة العباد بعد إذ أخرجهم الإسلام منها. . الآن تبدأ جولة جديدة أخرى للإسلام - كالجولة الأولى - تأخذ - في التنظيم - كل أحكامها المرحلية، حتى تنتهي إلى إقامة دار إسلام وهجرة؛ ثم تمتد ظلال الإسلام مرة أخرى - بإذن الله - فلا تعود هجرة ولكن جهاد وعمل؛ كما حدث في الجولة الأولى. .

ولقد كانت لفترة البناء الأولى للوجود الإسلامي أحكامها الخاصة، وتكاليفها الخاصة. .

قام الولاء في العقيدة مقام الولاء في الدم، في كل صوره وأشكاله، وفي كل التزاماته ومقتضياته. بما في ذلك الإرث والتكافل في الديات والمغارم. . فلما أن استقر الوجود الإسلامي بيوم الفرقان في بدر عدلت أحكام تلك الفترة الاستثنائية، اللازمة لعملية البناء الأولى، المواجهة لتكاليفها الاستثنائية. وكان من هذه التعديلات عودة التوارث والتكافل في الديات وغيرها إلى القرابة - ولكنه في إطار المجتمع المسلم في دار الإسلام:

وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله. .

فلا بأس بعد استقرار الوجود الفعلي للإسلام، من أولوية ذوي القربى في داخل الإطار العام. .

إن هذا يلبي جانبًا فطريًا في النفس الإنسانية. ولا ضرر من تلبية المشاعر الفطرية في النفس الإنسانية، ما دام أن ليس هناك ما يعارض هذه المشاعر من تكاليف الوجود الإسلامي. .

إن الإسلام لا يحطم المشاعر الفطرية؛ ولكنه يضبطها. يضبطها لتستقيم مع الحاجات العليا للوجود الإسلامي؛ فمتى انقضت هذه الحاجات عاد يلبيها - في إطاره العام. ومن ثم تكون لبعض الفترات الاستثنائية في الحركة تكاليفها الخاصة، التي ليست واردة في الأحكام النهائية للإسلام، التي تحكم المجتمع الإسلامي المستقر الآمن في حياته العادية. .

وكذلك ينبغي أن نفقه تكاليف مرحلة البناء الأولى؛ وطبيعة الإسلام العامة وأحكامه الأخرى. .

إن الله بكل شيء عليم. .

وهو التعقيب المناسب على هذه الأحكام والتنظيمات والمشاعر، وتداخلها وتنظيمها وتنسيقها. فهي من العلم المحيط بكل شيء. علم الله تعالى. .

وبعد فإن الإسلام - وهو يبني الأمة المسلمة على هذه القاعدة وفق هذا المنهج؛ ويقيم وجودها على أساس التجمع العضوي الحركي؛ ويجعل آصرة هذا التجمع هي العقيدة - إنما كان يستهدف إبراز"إنسانية الإنسان"وتقويتها وتمكينها، وإعلاءها على جميع الجوانب الأخرى في الكائن الإنساني. وكان يمضي في هذا على منهجه المطرد في كل قواعده وتعليماته وشرائعه وأحكامه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت