فهرس الكتاب

الصفحة 90 من 436

وقال ابن تيمية:

وَكَذَلِكَ قوله تعالى مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّك بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ * يَدُلُّ الْكَلَامُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَظْلِمُ مُحْسِنًا، فَيُنْقِصَهُ مِنْ إحْسَانِهِ، أَوْ يَجْعَلَهُ لِغَيْرِهِ، وَلَا يَظْلِمُ مُسِيئًا فَيَجْعَلَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتِ غَيْرِهِ، بَلْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ: أَمْ لَمْ يُنَبَّا بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى *. فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ وِزْرِ غَيْرِهِ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ إلَّا مَا سَعَاهُ، وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ حَقٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ. وَإِنْ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ تَعْذِيبَ الْمَيِّتِ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ يُنَافِي الْأَوَّلَ، فَلَيْسَ كَذَلِكَ إذْ ذَلِكَ النَّائِحُ يُعَذَّبُ بِنَوْحِهِ، لَا يَحْمِلُ الْمَيِّتُ وِزْرَهُ، وَلَكِنَّ الْمَيِّتَ يَنَالُهُ أَلَمٌ مِنْ فِعْلِ هَذَا، كَمَا يَتَأَلَّمُ الْإِنْسَانُ مِنْ أُمُورٍ خَارِجَةٍ عَنْ كَسْبِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَزَاءُ الْكَسْبِ وَالْعَذَابِ أَعَمَّ مِنْ الْعِقَابِ، كَمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم: السَّفَرُ قِطْعَةٌ مِنْ الْعَذَابِ *. وَكَذَلِكَ ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ انْتِفَاعَ الْمَيِّتِ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الْحَيِّ يُنَافِي قَوْلَهُ: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إلَّا مَا سَعَى *. فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، فَإِنَّ انْتِفَاعَ الْمَيِّتِ بِالْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ مِنْ الْحَيِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ كَانْتِفَاعِهِ بِالْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ، وَمَنْ ادَّعَى أَنَّ الْآيَةَ تُخَالِفُ أَحَدَهُمَا دُونَ الْآخَرِ، فَقَوْلُهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، بَلْ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآيَةِ كَانْتِفَاعِهِ بِالدُّعَاءِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالشَّفَاعَةِ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثِينَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا يُبَيِّنُ انْتِفَاعَ الْإِنْسَانِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ، إذْ الْآيَةُ إنَّمَا نَفَتْ اسْتِحْقَاقَ السَّعْيِ وَمِلْكَهُ، وَلَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ الْإِنْسَانُ وَلَا يَمْلِكُهُ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُحْسِنَ إلَيْهِ مَالِكُهُ وَمُسْتَحِقُّهُ بِمَا يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْهُ، فَهَذَا نَوْعٌ وَهَذَا نَوْعٌ، وَكَذَلِكَ لَيْسَ كُلُّ مَا لَا يَمْلِكُهُ الْإِنْسَانُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ جِهَتِهِ مَنْفَعَةٌ، فَإِنَّ هَذَا كَذِبٌ فِي الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَهَذِهِ النُّصُوصُ النَّافِيَةُ لِلظُّلْمِ تُثْبِتُ الْعَدْلَ فِي الْجَزَاءِ، وَأَنَّهُ لَا يُبْخَسُ عَامِلٌ عَمَلَهُ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِيمَنْ عَاقَبَهُمْ: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمْ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ *، وَقَوْلُهُ: وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمْ الظَّالِمِينَ * بَيَّنَ أَنَّ عِقَابَ الْمُجْرِمِينَ عَدْلٌ لِذُنُوبِهِمْ، لَا لِأَنَّا ظَلَمْنَاهُمْ فَعَاقَبْنَاهُمْ بِغَيْرِ ذَنْبٍ. وَالْحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ: لَوْ عَذَّبَ اللَّهُ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ لَكَانَتْ رَحْمَتُهُ لَهُمْ خَيْرًا مِنْ أَعْمَالِهِمْ *. يُبَيِّنُ أَنَّ الْعَذَابَ لَوْ وَقَعَ لَكَانَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ، لَا لِكَوْنِهِ بِغَيْرِ ذَنْبٍ، وَهَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ مِنْ الظُّلْمِ الْمَنْفِيِّ عُقُوبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ. وَكَذَلِكَ قوله تعالى: وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ مِثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ، مِثْلَ دَابِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَاَلَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعِبَادِ *. يُبَيِّنُ أَنَّ هَذَا الْعِقَابَ لَمْ يَكُنْ ظُلْمًا لِاسْتِحْقَاقِهِمْ ذَلِكَ، وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُرِيدُ الظُّلْمَ. وَالْأَمْرُ الَّذِي لَا يُمْكِنُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ لَا يَصْلُحُ أَنْ يُمْدَحَ الْمَمْدُوحُ بِعَدَمِ إرَادَتِهِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْمَدْحُ بِتَرْكِ الْأَفْعَالِ إذَا كَانَ الْمَمْدُوحُ قَادِرًا عَلَيْهَا، فَعُلِمَ أَنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى مَا نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْهُ مِنْ الظُّلْمِ، وَأَنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ. وَبِذَلِكَ يَصِحُّ قَوْلُهُ: إنِّي حَرَّمْت الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي *، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ هُوَ الْمَنْعُ، وَهَذَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا هُوَ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُقَالَ حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي أَوْ مَنَعْت نَفْسِي مِنْ خَلْقِ مِثْلِي، أَوْ جَعَلَ الْمَخْلُوقَاتِ خَالِقَةً وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَالَاتِ. وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي تَاوِيلِ ذَلِكَ مَا يَكُونُ مَعْنَاهُ: إنِّي أَخْبَرْت عَنْ نَفْسِي بِأَنَّ مَا لَا يَكُونُ مَقْدُورًا لَا يَكُونُ مِنِّي، وَهَذَا الْمَعْنَى مِمَّا يَتَيَقَّنُ الْمُؤْمِنُ أَنَّهُ لَيْسَ مُرَادَ الرَّبِّ وَأَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ عَنْ إرَادَةِ مِثْلِ هَذَا الْمَعْنَى الَّذِي لَا يَلِيقُ الْخِطَابُ بِمِثْلِهِ، إذْ هُوَ مَعَ كَوْنِهِ شِبْهَ التَّكْرِيرِ، وَإِيضَاحَ الْوَاضِحِ، لَيْسَ فِيهِ مَدْحٌ وَلَا ثَنَاءٌ، وَلَا مَا يَسْتَفِيدُهُ الْمُسْتَمِعُ، فَعُلِمَ أَنَّ الَّذِي حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ هُوَ أَمْرٌ مَقْدُورٌ لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ مُنَزَّهٌ عَنْ فِعْلِهِ، مُقَدَّسٌ عَنْهُ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مَا قَالَهُ النَّاسُ فِي حُدُودِ الظُّلْمِ يَتَنَاوَلُ هَذَا دُونَ ذَلِكَ، كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ: الظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ، كَقَوْلِهِمْ: مَنْ أَشْبَهَ أَبَاهُ فَمَا ظَلَمَ، أَيْ: فَمَا وُضِعَ الشَّبَهُ غَيْرَ مَوْضِعِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمٌ عَدْلٌ، لَا يَضَعُ الْأَشْيَاءَ إلَّا مَوَاضِعَهَا، وَوَضْعُهَا غَيْرَ مَوَاضِعِهَا لَيْسَ مُمْتَنِعًا لِذَاتِهِ، بَلْ هُوَ مُمْكِنٌ، لَكِنَّهُ لَا يَفْعَلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُهُ، بَلْ يَكْرَهُهُ وَيُبْغِضُهُ؛ إذْ قَدْ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: الظُّلْمُ إضْرَارٌ غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِغَيْرِ حَقٍّ، وَكَذَلِكَ مَنْ قَالَ: هُوَ نَقْصُ الْحَقِّ، وَذُكِرَ أَنَّ أَصْلَهُ النَّقْصُ، كَقَوْلِهِ: كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا *. وَأَمَّا مَنْ قَالَ: هُوَ التَّصَرُّفُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ، فَهَذَا لَيْسَ بِمُطَّرِدٍ وَلَا مُنْعَكِسٍ، فَقَدْ يَتَصَرَّفُ الْإِنْسَانُ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِحَقٍّ وَلَا يَكُونُ ظَالِمًا، وَقَدْ يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَيَكُونُ ظَالِمًا، وَظُلْمُ الْعَبْدِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت