فهرس الكتاب

الصفحة 398 من 436

بهذا يدخل المؤمنون الجنة، مستحقين لها، جديرين بها، بعد الجهاد والامتحان، والصبر والثبات، والتجرد لله وحده، والشعور به وحده، وإغفال كل ما سواه وكل من سواه.

إن الصراع والصبر عليه يهب النفوس قوة، ويرفعها على ذواتها، ويطهرها في بوتقة الألم، فيصفو عنصرها ويضيء، ويهب العقيدة عمقا وقوة وحيوية، فتتلألأ حتى في أعين أعدائها وخصومها. وعندئذ يدخلون في دين الله أفواجا كما وقع، وكما يقع في كل قضية حق، يلقي أصحابها ما يلقون في أول الطريق، حتى إذا ثبتوا للمحنة انحاز إليهم من كانوا يحاربونهم وناصرهم أشد المناوئين وأكبر المعاندين. .

على أنه - حتى إذا لم يقع هذا - يقع ما هو أعظم منه في حقيقته. يقع أن ترتفع أرواح أصحاب الدعوة على كل قوى الأرض وشرورها وفتنتها، وأن تنطلق من إسار الحرص على الدعة والراحة، والحرص على الحياة نفسها في النهاية. .

وهذا الانطلاق كسب للبشرية كلها، وكسب للأرواح التي تصل إليه عن طريق الاستعلاء. كسب يرجح جميع الآلام وجميع البأساء والضراء التي يعانيها المؤمنون، والمؤتمنون على راية الله وأمانته ودينه وشريعته.

وهذا الانطلاق هو المؤهل لحياة الجنة في نهاية المطاف. .

وهذا هو الطريق. .

هذا هو الطريق كما يصفه الله للجماعة المسلمة الأولى، وللجماعة المسلمة في كل جيل.

هذا هو الطريق: إيمان وجهاد. .

ومحنة وابتلاء. وصبر وثبات. .

وتوجه إلى الله وحده. ثم يجيء النصر. ثم يجيء النعيم. .

وفي كتاب مقالات بين منهجين -(ج 1 / ص 26):

إذا قلنا كما تقدم أن الباطل ليس له حقيقة في نفسه، بل هو يعني غياب الحق كما قال ابن القيم رحمه الله، فسيكون السؤال في الأذهان هو: ما معنى ظهور الباطل على الحق في جولات كثيرة نحسها في عين الزمان، ونراها في واقعنا؟ والجواب على هذا التساؤل يتشعب إلى عدة نقاط سنحاول في هذه العجالة أن نمر على بعضها إن شاء الله تعالى:

البيان الأول: اعلم أن الله قد قرر في كتابه أن الحق لا يهزم أبدا، وقرر سبحانه وتعالى أنه لن يجعل للكافرين على المؤمنين سبيلا، قال تعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} النساء. والجاهل يظن أن هذه الآية تنخرم بعض الأحيان لما يرى من ظهور الكفر على الإسلام حينا، وهذا جهل عظيم في دين الله تعالى.

قال الإمام الشاطبي في الموافقات في قوله سبحانه وتعالى: {ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا} قال: إن حمل على أنه إخبار، لم يستمر مخبره، لوقوع سبيل الكافر على المؤمن كثيرا بأسره وإذلاله، فلا يمكن أن يكون المعنى إلا على ما يصدقه الواقع ويطرد عليه، وهو تقرير الحكم الشرعي. فعليه يجب أن يحمل. ا. هـ. (ج1،ص100،101) .

قلت: وهذه لفتة عظيمة من هذا الإمام كان ينبغي الالتفات لها منذ زمان بعيد، لأن ما نعيش فيه هذه الأيام يدل على أننا ابتعدنا كثيرا عن مفاهيم الكتاب والسنة، بسبب تلك الأفكار الدخيلة التي شوهت مفاهيم الإسلام العظيم.

ولتفسير كلام الشاطبي نقول: إن الآية فيها أمر من الله تعالى للمؤمنين أن لا يقبلوا الدنية في دينهم، وأن عليهم أن يبذلوا أقصى طاقاتهم لمنع حصول الذل، فإن حصل ظهور للكفرة عليهم فهو دال على أنهم قصروا في تطبيق أمر الله، فهنا في الآية على الصحيح أمر إلهي ووعد إلهي كذلك؛ أما الأمر: فهو أن يكونوا مؤمنين، والإيمان هنا يعني المدافعة والقتال وطلب الظهور والعزة، وهذا راجع إلى مفهوم أهل السنة لمسمى الإيمان، وقد وقع المعلق على كتاب الشاطبي وهو الأستاذ الفاضل عبد الله درّاز في خطأ حين ظن أن الآية بعريّها عن قوله: وعملوا الصالحات، تحمل على معنى آخر، وذلك لظنه أن الإيمان هنا هو الحكم وليس الدرجة والمرتبة، والصحيح أن قوله سبحانه وتعالى في هذه الآية (المؤمنين) هي قيامهم بواجب الإيمان وهو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت