فهرس الكتاب

الصفحة 237 من 436

عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ فَقَالَ لَهُ أَتُحْصِي أَسْمَاءَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الَّتِي كَانَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ يَعُدُّهَا قَالَ نَعَمْ هِيَ سِتَّةٌ مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَخَاتَمٌ وَحَاشِرٌ وَعَاقِبٌ وَمَاحٍ، فَأَمَّا الْحَاشِرُ فَبُعِثَ مَعَ السَّاعَةِ نَذِيرًا لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ وَأَمَّا عَاقِبٌ فَإِنَّهُ أَعْقَبَ الْأَنْبِيَاءَ صلوات الله عليهم وَأَمَّا مَاحٍ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَحَا بِهِ سَيِّئَاتِ مَنْ اتَّبَعَهُ. قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةُ اسْمٍ عَلَى الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرْنَا قَبْلَهُ وَهُوَ خَاتَمٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ شُعَيْبٍ الْكَيْسَانِيُّ قَالَ ثنا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخُرَاسَانِيُّ قَالَ ثنا الْمَسْعُودِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: سَمَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم نَفْسَهُ بِأَسْمَاءٍ فَقَالَ: أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ وَالْمُقَفِّي وَالْحَاشِرُ وَنَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ * قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ أَسْمَائِهِ الْمُقَفِّي وَمَعْنَاهُ مَعْنَى الْعَاقِبِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا قَبْلَهُ وَفِيهِ مِنْ أَسْمَائِهِ اسْمَانِ آخَرَانِ غَيْرُ الْأَسْمَاءِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا وَهُمَا نَبِيُّ التَّوْبَةِ وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ وَسَأَلَ سَائِلٌ عَنْ الْمَعْنَى الَّذِي بِهِ زَادَ بَعْضُ مَا فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى مَا سِوَاهُ مِنْهَا. فَكَانَ جَوَابُنَا لَهُ فِي ذَلِكَ بِتَوْفِيقِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ أَنَّ الْأَسْمَاءَ إنَّمَا هِيَ أَعْلَامٌ لِأَشْيَاءَ يُرَادُ بِهَا التَّفْرِيقُ بَيْنَهَا وَإِبَانَةُ بَعْضِهَا مِنْ بَعْضٍ، وَكَانَتْ الْأَسْمَاءُ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ فَقِسْمٌ مِنْهَا تَكُونُ الْأَسْمَاءُ فِيهِ لَا لِعِلَّةٍ كَالْحَجَرِ وَكَالْجَبَلِ، وَكَمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يُسَمَّ بِمَعْنًى فِيهِ وَمِنْهَا مَا يُسَمَّى بِهِ لِمَعْنًى فِيهِ مِنْ صِفَاتِهِ كَمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم مِنْ الْحَمْدِ وَكَأَحْمَدَ مِنْ الْحَمْدِ أَيْضًا فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ أَسْمَائِهِ صلى الله عليه وسلم وَهُمَا اسْمَانِ قَدْ ذَكَرَهُمَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَاَلَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ * وَقَالَ تَعَالَى فِيمَا كَانَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صلى الله عليه وسلم خَاطَبَ بِهِ قَوْمَهُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَاتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ * فَكَانَ هَذَانِ الِاسْمَانِ مِنْ صِفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم فَوَقَفْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ سِوَى الْحَمْدِ كَمَا سُمِّيَ بِالْحَمْدِ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِهِ فَسُمِّيَ الْمَاحِيَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَمْحُو بِهِ الْكُفْرَ، وَسُمِّيَ الْحَاشِرَ؛ لِأَنَّ النَّاسَ يُحْشَرُونَ عَلَى قَدَمِهِ، وَسُمِّيَ الْعَاقِبَ؛ لِأَنَّهُ أَعْقَبَ مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صلوات الله عليهم وَسُمِّيَ خَاتَمًا؛ لِأَنَّهُ خَاتَمُ النَّبِيِّينَ وَذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ *، وَسُمِّيَ الْمُقَفِّيَ؛ لِأَنَّهُ قَفَّى مَنْ قَبْلَهُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ، وَسُمِّيَ نَبِيَّ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ تَابَ بِهِ عَلَى مَنْ تَابَ مِنْ عِبَادِهِ، وَذَكَرَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ * وَسُمِّيَ نَبِيَّ الْمَلْحَمَةِ؛ لِأَنَّهُ سَبَبُ الْقِتَالِ هُوَ الْمَلْحَمَةُ. وَكُلُّ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ مُشْتَقَّةٌ مِنْ صِفَاتِهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَءُوفًا رَحِيمًا انْتِزَاعًا بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ * فَدَلَّ ذَلِكَ أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يُسَمَّى بِصِفَاتِهِ كُلِّهَا وَأَنَّ مَا سُمِّيَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ لَاحِقٌ بِأَسْمَائِهِ الَّتِي قَدْ سُمِّيَ بِهَا قَبْلَ ذَلِكَ كَمَا لَحِقَ بِأَسْمَاءِ عَلِيٍّ عليه السلام الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إيَّاهُ لَمَّا تَتَرَّبَ بِالتُّرَابِ بِقَوْلِهِ لَهُ: قُمْ يَا أَبَا تُرَابٍ قَالَ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ فَمَا كَانَ لَهُ اسْمٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْهُ * وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ وَمَا يَدْخُلُ فِي مَعْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ مِنْ كِتَابِنَا هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَكَانَ جَائِزًا أَنْ يُذْكَرَ بِبَعْضِ أَسْمَائِهِ، وَلَا يَكُونُ الْقَصْدُ إلَى بَعْضِهَا دَلِيلًا أَنْ لَا أَسْمَاءَ لَهُ غَيْرَهَا، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ جَاءَتْ هَذِهِ الْآثَارُ عَلَى مَا جَاءَتْ بِهِ مِمَّا فِيهَا، وَاَللَّهَ نَسْأَلُهُ التَّوْفِيقَ

وقال الجصاص:

قوله تعالى: لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ * وَالْعُسْرَةُ هِيَ شِدَّةُ الْأَمْرِ وَضِيقُهُ وَصُعُوبَتُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَقِلَّةٍ مِنْ الْمَاءِ وَالزَّادِ وَالظَّهْرِ، فَحَضَّ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ بِذِكْرِ التَّوْبَةِ لِعِظَمِ مَنْزِلَةِ الِاتِّبَاعِ فِي مِثْلِهَا وَجَزِيلِ الثَّوَابِ الَّذِي يُسْتَحَقُّ بِهَا لِمَا لَحِقَهُمْ مِنْ الْمَشَقَّةِ مَعَ الصَّبْرِ عَلَيْهَا وَحُسْنِ الْبَصِيرَةِ، وَالْيَقِينِ مِنْهُمْ فِي تِلْكَ الْحَالِ، إذْ لَمْ تُغَيِّرْهُمْ عَنْهَا صُعُوبَةُ الْأَمْرِ وَشِدَّةُ الزَّمَانِ. وَأَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ فَرِيقٍ مِنْهُمْ بِمُقَارَبَةِ مَيْلِ الْقَلْبِ عَنْ الْحَقِّ بِقَوْلِهِ: مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ *. وَالزَّيْغُ هُوَ مَيْلُ الْقَلْبِ عَنْ الْحَقِّ، فَقَارَبَ ذَلِكَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَلَمَّا فَعَلُوا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت