فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 436

ويشهد بذلك أيضًا ما رواه البخاري في إسلام عبد اللَّه بن سلام رضي اللَّه عنه، فقد كان حبرًا من فطاحل علماء اليهود، ولما سمع بمقدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة في بني النجار جاءه مستعجلًا، وألقى إليه أسئلة لا يعلمها إلا نبي ولما سمع ردوده صلى الله عليه وسلم عليها آمن به ساعته ومكانه، ثم قال له: إن اليهود قوم بهت، إن علموا بإسلامي قبل أن تسألهم بهتوني عندك، فأرسل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فجاءت اليهود، ودخل عبد اللَّه بن سلام البيت. فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أي رجل فيكم عبد اللَّه سلام؟ قالوا: أعلمنا وابن أعلمنا، وأخيرنا وابن أخيرنا وفي لفظ: سيدنا وابن سيدنا، وفي لفظ آخر: خيرنا وابن خيرنا وأفضلنا وابن أفضلنا، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم أفرأيتم إن أسلم عبد اللَّه؟ فقالوا: أعاذه اللَّه من ذلك مرتين أو ثلاثًا فخرج إليهم عبد اللَّه فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأشهد أن محمدًا رسول اللَّه فقالوا: شرنا وابن شرنا، ووقعوا فيه. وفي لفظ فقال: يا معشر اليهود اتقوا اللَّه، فواللَّه الذي لا إله إلا هو إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه، وأنه جاء بحق فقالوا: كذبت.

وهذه أول تجربة تلقاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم من اليهود، في أول يوم دخل فيه المدينة.

هذا كله من حيث الداخلية، وأما من حيث الخارجية فإن ألد قوة ضد الإسلام هي قريش، كانت قد جربت منذ عشرة أعوام، حينما كان المسلمون تحت يديها، كل أساليب الإرهاب والتهديد والمضايقة وسياسة التجويع والمقاطعة، وأذاقتهم التنكيلات والويلات، وشنت عليهم حربًا نفسية مضنية مع دعاية واسعة منظمة، ثم لما هاجر المسلمون إلى المدينة صادرت أرضهم وديارهم وأموالهم، وحالت بينهم وبين أزواجهم وذرياتهم، بل حبست وعذبت من قدرت عليه، ثم لم تقتصر على هذا بل تآمرت على الفتك بصاحب الدعوة صلى الله عليه وسلم والقضاء عليه، وعلى دعوته، ولم تأل جهدًا في تنفيذ هذه المؤامرة. وبعد هذا كله، لما نجا المسلمون إلى أرض تبعد عنها خمسمائة كيلومترًا. قامت بدورها السياسي لما لها من الصدارة الدنيوية والزعامة الدينية بين أوساط العرب بصفتها ساكنة الحرم ومجاورة بيت اللَّه وسدنته، فأغرت غيرها من مشركي الجزيرة ضد أهل المدينة، حتى صارت المدينة في شبه مقاطعة شديدة قلت مستورداتها في حين كان عدد اللاجئين يزيد يومًا فيومًا، إن حالة الحرب قائمة يقينًا بين هؤلاء الطغاة من أهل مكة وبين المسلمين في وطنهم الجديد، ومن السفه تحميل المسلمين أوزار هذا الخصام.

كان حقًا للمسلمين أن يصادروا أموال هؤلاء الطغاة كما صودرت أموالهم، وأن يدالوا عليهم من التنكيلات بمثل ما أدالوا بها، وأن يقيموا في سبيل حياتهم العراقيل كما أقاموها في سبيل حياة المسلمين، وأن يكال لهؤلاء الطغاة صاعًا بصاع حتى لا يجدوا سبيلًا لإبادة المسلمين، واستئصال خضرائهم.

هذه هي القضايا والمشاكل التي كان يواجهها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم حين ورد المدينة بصفته رسولًا هاديًا وإمامًا قائدًا.

وقد قام رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بدور الرسالة والقيادة في المدينة، وأدلى إلى كل قوم بما كانوا يستحقونه من الرأفة والرحمة أو الشدة والنكال، ولا شك أن الرحمة كانت غالبة على الشدة والعنت، حتى عاد الأمر إلى الإسلام وأهله في بضع سنوات، وسيجد القارىء كل ذلك جليًا في الصفحات الآتية

بناء مجتمع جديد:

قد أسلفنا أن نزول رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بالمدينة في بني النجار كان يوم الجمعة - ربيع الأول سنة ه الموافق - سبتمبر سنة - م، وأنه نزل في أرض أمام دار أبي أيوب، وقال: ههنا المنزل إن شاء اللَّه، ثم انتقل إلى بيت أبي أيوب.

بناء المسجد النبوي:

وأول خطوة خطاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم بعد ذلك هو إقامة المسجد النبوي. ففي المكان الذي بركت فيه ناقته أمر ببناء هذا المسجد، واشتراه من غلامين يتيمين كان يملكانه، وساهم في بنائه بنفسه، كان ينقل اللبن والحجارة ويقول:

اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت