أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ إلَى الْكُفَّارِ وَلَمْ يَاتِ مِنْ الْكُفَّارِ مَنْ تَاخُذُونَ مِنْهُ مِثْلَ مَا أَخَذَ مِنْكُمْ فَعَوِّضُوهُمْ مِنْ فَيْءٍ إنْ أَصَبْتُمُوهُ"وَجَائِزٌ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرَ مُخَالِفَةٍ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ أَنَّهُمْ يُعَوَّضُونَ مِنْ صَدَاقٍ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ رَدُّهُ إلَى الْكُفَّارِ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ رَدُّهُ مِنْ صَدَاقٍ وَجَبَ لِلْكُفَّارِ إذَا كَانَ هُنَاكَ صَدَاقٌ قَدْ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَيْهِمْ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ صَدَاقٌ رُدَّ عَلَيْهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ فِي رَدِّ الْمَهْرِ وَأَخْذِهِ مِنْ الْكُفَّارِ وَتَعْوِيضِ الزَّوْجِ مِنْ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ صَدَاقٍ قَدْ وَجَبَ رَدُّهُ عَلَى أَهْلِ الْحَرْبِ مَنْسُوخٌ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ ثَابِتِ الْحُكْمِ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ."فَإِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْت لِعَطَاءٍ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ جَاءَتْ الْمُسْلِمِينَ فَأَسْلَمَتْ أَيُعَوَّضُ زَوْجُهَا مِنْهَا شَيْئًا لقوله تعالى - فِي الْمُمْتَحَنَةِ: وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا *؟ قَالَ: إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ بَيْنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَهْلِ عَهْدِهِ، قُلْت: فَجَاءَتْ امْرَأَةٌ الْآنَ مِنْ أَهْلِ عَهْدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُعَاضُ فَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ فِي ذَلِكَ"وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ فَإِنْ قِيلَ: لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي السُّنَّةِ مَا يُوجِبُ نَسْخَ هَذِهِ الْأَحْكَامِ، فَمِنْ أَيْنَ وَجَبَ نَسْخُهَا؟ قِيلَ لَهُ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْسُوخًا بِقَوْلِهِ - تَعَالَى: لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ * وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِطِيبَةٍ مِنْ نَفْسِهِ. *"
وقوله تعالى: وَلَا يَاتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ * قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"لَا يُلْحِقْنَ بِأَزْوَاجِهِنَّ غَيْرُ أَوْلَادِهِنَّ"وَقِيلَ: إنَّهُ قَدْ دَخَلَ فِيهِ قَذْفُ أَهْلِ الْإِحْصَانِ، وَالْكَذِبُ عَلَى النَّاسِ، وَقَذْفُهُمْ بِالْبَاطِلِ وَمَا لَيْسَ فِيهِمْ وَسَائِرُ ضُرُوبِ الْكَذِبِ، وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَمِيعَ ذَلِكَ.
وقوله تعالى: وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ *، رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَذَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى النِّسَاءِ حِينَ بَايَعَهُنَّ أَنْ لَا يَنُحْنَ فَقُلْنَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ نِسَاءً أَسْعَدْنَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُسْعِدُهُنَّ فِي الْإِسْلَامِ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا إسْعَادَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا جَلَبَ فِي الْإِسْلَامِ وَلَا جَنَبَ فِي الْإِسْلَامِ وَمَنْ انْتَهَبَ فَلَيْسَ مِنَّا * وَرُوِيَ عَنْ شَهْرِ بْن حوشب عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ * قَالَ: النَّوْحُ. وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: أَخَذَ عَلَيْنَا فِي الْبَيْعَةِ أَنْ لَا نَنُوحَ، وَهُوَ قوله تعالى: وَلَا يَعْصِينَك فِي مَعْرُوفٍ *. وَرَوَى عَطَاءٌ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: نُهِيَتْ عَنْ صَوْتَيْنِ أَحْمَقَيْنِ صَوْتِ لَعِبٍ وَلَهْوٍ وَمَزَامِيرِ شَيْطَانٍ عِنْدَ نَغْمَةٍ، وَصَوْتٍ عِنْدَ مُصِيبَةٍ خَمْشِ وُجُوهٍ وَشَقِّ جُيُوبٍ وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ. * قَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ طَاعَةِ اللَّهِ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا مَعْرُوفٌ، وَتَرْكُك النُّوحَ أَحَدُ مَا أُرِيدَ بِالْآيَةِ، وَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّ نَبِيَّهُ لَا يَامُرُ إلَّا بِمَعْرُوفٍ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ فِي النَّهْيِ عَنْ عِصْيَانِهِ إذَا أَمَرَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لِئَلَّا يَتَرَخَّصَ أَحَدٌ فِي طَاعَةِ السَّلَاطِينِ إذَا لَمْ تَكُنْ طَاعَةً لِلَّهِ - تَعَالَى -؛ إذْ كَانَ اللَّهُ - تَعَالَى - قَدْ شَرَطَ فِي طَاعَةِ أَفْضَلِ الْبَشَرِ فِعْلَ الْمَعْرُوفِ، وَهُوَ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: لَا طَاعَةَ لَمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ *. وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: مَنْ أَطَاعَ مَخْلُوقًا فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْمَخْلُوقَ * وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: عَادَ حَامِدُهُ مِنْ النَّاس ذَامًّا *، وَإِنَّمَا خَصَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِالْمُخَاطَبَةِ فِي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا جَاءَك الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَك *؛ لِأَنَّ بَيْعَةَ مَنْ أَسْلَمَ كَانَ مَخْصُوصًا بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَعَمَّ الْمُؤْمِنِينَ بِذِكْرِ الْمِحْنَةِ فِي قوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ *؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَخْتَصُّ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دُونَ غَيْرِهِ، أَلَا تَرَى أَنَّا نَمْتَحِنُ الْمُهَاجِرَةَ الْآنَ؟ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ. آخِرُ سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ.
وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِالْإِجْمَاعِ عَلَى النَّسْخِ فَقَدْ ذَكَرَهُ عِيسَى بْنُ أَبَانَ رحمه الله وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ: إذَا رُوِيَ خَبَرَانِ مُتَضَادَّانِ وَالنَّاسُ عَلَى أَحَدِهِمَا فَهُوَ النَّاسِخُ لِلْآخَرِ، فَاسْتَدَلَّ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى النَّسْخِ. قَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَلَسْنَا نَقُولُ إنَّ الْإِجْمَاعَ يُوجِبُ النَّسْخَ، لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ إنَّمَا يَثْبُتُ حُكْمُهُ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم. وَأَمَّا فِي حَيَاتِهِ فَالْمَرْجِعُ إلَيْهِ صلى الله عليه وسلم فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ لِمَنْ كَانَ فِي حَضْرَتِهِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْإِجْمَاعِ فِيهِ. وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّسْخَ لَا يَصِحُّ إلَّا مِنْ طَرِيقِ التَّوْقِيفِ، وَلَا يَصِحُّ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ عليه الصلاة والسلام، إلَّا أَنَّ الْإِجْمَاعَ إذَا حَصَلَ عَلَى زَوَالِ حُكْمٍ قَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ دَلَّنَا الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِتَوْقِيفٍ، وَإِنْ لَمْ يُنْقَلْ إلَيْنَا اللَّفْظُ النَّاسِخُ لَهُ. فَمِمَّا دَلَّنَا