وأوذوا في سبيلي* أي إنما كان ذنبهم إلى الناس أنهم آمنوا بالله وحده، كما قال تعالى: يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم* وقال تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد* وقوله تعالى: وقاتلوا وقتلوا* وهذا أعلى المقامات أن يقاتل في سبيل الله فيعقر جواده ويعفر وجهه بدمه وترابه، وقد ثبت في الصحيحين أن رجلًا قال: يا رسول الله، أرأيت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا مقبلًا غير مدبر، أيكفر الله عني خطاياي؟ قال «نعم ثم قال: كيف قلت؟ فأعاد عليه ما قال، فقال: نعم، إلا الدّين، قاله لي جبريل آنفًا» ولهذا قال تعالى: لأكفرن عنهم سيئاتهم ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار* أي تجري في خلالها الأنهار من أنواع المشارب من لبن وعسل وخمر وماء غير آسن، وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. وقوله ثوابًا من عند الله* أضافه إليه ونسبه إليه ليدل على أنه عظيم، لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلًا كثيرًا، كما قال الشاعر:
إن يعذب يكن غرامًا وإن يعط جزيلًا فإنه لا يبالي
وقوله تعالى: والله عنده حسن الثواب* أي عنده حسن الجزاء لمن عمل صالحًا. قال ابن أبي حاتم: ذكر عن دحيم بن إبراهيم قال: قال الوليد بن مسلم، أخبرني حَريز بن عثمان أن شداد بن أوس كان يقول: يا أيها الناس، لا تتهموا الله في قضائه، فإنه لا يبغي على مؤمن، فإذا أنزل بأحدكم شي مما يحب، فليحمد الله، وإذا أنزل به شي مما يكره، فليصبر وليحتسب، فإن الله عنده حسن الثواب.
وهي استجابة مفصلة، وتعبير مطول، يتناسق مع السمة الفنية للتعبير القرآني؛ وفق مقتضى الحال، ومتطلبات الموقف، من الجانب النفسي والشعوري.
ثم نخلص لمحتويات هذه الاستجابة الإلهية، ودلالتها على طبيعة هذا المنهج الإلهي ومقوماته، ثم على طبيعة منهج التربية الإسلامية وخصائصه. .
إن أولي الألباب هؤلاء، تفكروا في خلق السماوات والأرض، وتدبروا اختلاف الليل والنهار، وتلقوا من كتاب الكون المفتوح، واستجابت فطرتهم لإيحاء الحق المستكن فيه، فاتجهوا إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع الواجف الطويل العميق. . ثم تلقوا الاستجابة من ربهم الكريم الرحيم، على دعائهم المخلص الودود. . فماذا كانت الاستجابة؟
لقد كانت قبولا للدعاء، وتوجيها إلى مقومات هذا المنهج الإلهي وتكاليفه في آن:
(فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم. . من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض) . .
إنه ليس مجرد التفكر ومجرد التدبر. وليس مجرد الخشوع والارتجاف. وليس مجرد الاتجاه إلى الله لتكفير السيئات والنجاة من الخزي ومن النار. . إنما هو"العمل". العمل الإيجابي، الذي ينشأ عن هذا التلقي، وعن هذه الاستجابة، وعن هذه الحساسية الممثلة في هذه الارتجافة. العمل الذي يعتبره الإسلام عبادة كعبادة التفكر والتدبر، والذكر والاستغفار، والخوف من الله، والتوجه إليه بالرجاء. بل العمل الذي يعتبره الإسلام الثمرة الواقعية المرجوة لهذه العبادة، والذي يقبل من الجميع: ذكرانا وإناثا بلا تفرقة ناشئة من اختلاف الجنس. فكلهم سواء في الإنسانية - بعضهم من بعض - وكلهم سواء في الميزان. .
ثم تفصيل للعمل، تتبين منه تكاليف هذه العقيدة في النفس والمال؛ كما تتبين منه طبيعة المنهج، وطبيعة الأرض التي يقوم عليها، وطبيعة الطريق وما فيه من عوائق وأشواك، وضرورة مغالبة العوائق، وتكسيرالأشواك، وتمهيد التربة للنبتة الطيبة، والتمكين لها في الأرض، أيا كانت التضحيات، وأيا كانت العقبات:
(فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم، وأوذوا في سبيلي وقاتلوا وقتلوا. لأكفرن عنهم سيئاتهم، ولأدخلنهم جنات تجري من تحتها الأنهار. ثوابا من عند الله، والله عنده حسن الثواب) .
وقد كانت هذه صورة الداعين المخاطبين بهذا القرآن أول مرة. الذين هاجروا من مكة، وأخرجوا من ديارهم، في سبيل العقيدة، وأوذوا في سبيل الله لا في أي غاية سواه، وقاتلوا