فهرس الكتاب

الصفحة 352 من 436

نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَأَخْبَرَ ابْنُ عُمَرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ هِيَ الَّتِي أَبَاحَتْ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْحَالِ إلَى غَيْرِ الْكَعْبَةِ، فَلَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ خُصَّتْ الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ بِاسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ عَامًّا أَوْ نَسَخَتْهَا، وَأَيُّ الْوَجْهَيْنِ كَانَ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى نَسْخِ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ. وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِنَا: إنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، وَقَدْ كَانُوا مَامُورِينَ فِي حَالِ الْخَوْفِ بِالتَّوَجُّهِ إلَى الْكَعْبَةِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُصَلِّهَا يَوْمَئِذٍ لِتَعَذُّرِ التَّوَجُّهِ إلَيْهَا. فَإِنَّهُ دَعْوَى لَيْسَ عَلَيْهَا دَلِيلٌ وَقَدْ ذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيُّ جَمِيعًا أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ كَانَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَدْ صَلَّى بِذَاتِ الرِّقَاعِ صَلَاةَ الْخَوْفِ. فَثَبَتَ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ (قَدْ) كَانَتْ نَزَلَتْ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم صَلَاةَ الْخَوْفِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ، لِأَنَّهُ شُغِلَ بِالْقِتَالِ عَنْ الصَّلَاةِ، وَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسَايِفِ وَالْمُقَاتِلِ صَلَاةٌ وَأَنَّهُ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى يَنْقَضِيَ الْقِتَالُ. وَلِذَلِكَ قَالَ النَّبِيُّ عليه السلام يَوْمَئِذٍ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا كَمَا شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى *. وَمِمَّا قِيلَ: إنَّهُ مَنْسُوخٌ مِنْ الْقُرْآنِ بِالسُّنَّةِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا *، وَهَذَا الْحُكْمُ مَنْسُوخٌ (الْآنَ) عِنْدَ الْجَمِيعِ، وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا يُوجِبُ نَسْخَهُ فَعَلِمْنَا أَنَّ نَسْخَهُ كَانَ بِالسُّنَّةِ. وَمِمَّا نُسِخَ مِنْهُ أَيْضًا بِغَيْرِ قُرْآنٍ مَا رَوَى عَطَاءٌ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ عَنْ عَائِشَةَ رضي الله عنها فِي قوله تعالى لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ * قَالَتْ: مَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى أُحِلَّ لَهُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مِنْ النِّسَاءِ مَا شَاءَ *، وَرُوِيَ عَنْهَا حَتَّى"أُحِلَّ لَهُ نِسَاءُ أَهْلِ الْأَرْضِ". وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ مَا (يُوجِبُ نَسْخَ ذَلِكَ) فَثَبَتَ أَنَّهُ نُسِخَ بِالسُّنَّةِ. فَإِنْ قِيلَ: نَسَخَهُ قوله تعالى: إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ * قِيلَ لَهُ: لَا دَلَالَةَ فِي هَذَا عَلَى مَا ذَكَرْت لِأَنَّ هَذِهِ الْإِبَاحَةَ مَقْصُورَةٌ عَلَى النِّسَاءِ الْمَذْكُورَاتِ فِي الْآيَةِ، لِأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك اللَّاتِي آتَيْت أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُك * إلَى آخِرِ الْآيَةِ فَلَمْ يُوجِبْ نَسْخَ قَوْلِهِ لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ *، وَعَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ فِي التَّفْسِيرِ أَنَّ قوله تعالى: لَا يَحِلُّ لَك النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ * نَزَلَتْ بَعْدَ قَوْلِهِ إنَّا أَحْلَلْنَا لَك أَزْوَاجَك *. وَأَمَّا نَسْخُ حُكْمِ الْقُرْآنِ وَمَا ثَبَتَ مِنْ السُّنَّةِ مِنْ طَرِيقِ التَّوَاتُرِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ؛ فَإِنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَنَا، لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ، وَالْقُرْآنُ وَمَا ثَبَتَ بِالتَّوَاتُرِ يُوجِبَانِ الْعِلْمَ بِصِحَّةِ مَا تَضَمَّنَاهُ، فَغَيْرُ (جَائِزٍ) أَنْ (يَنْزِلَ مَا) كَانَ هَذَا وَصْفُهُ بِمَا لَا يُوجِبُ الْعِلْمَ. فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: قَدْ يَجُوزُ تَرْكُ مَا يُوجِبُ الْعِلْمَ بِمَا لَا يُوجِبُهُ، لِأَنَّ مَا ثَبَتَ مِنْ إبَاحَةِ الْأَشْيَاءِ فِي الْأَصْلِ قَبْلَ وُرُودِ الْمَنْعِ قَدْ وَقَعَ الْعِلْمُ بِصِحَّتِهَا وَيُقْبَلُ (مَعَ ذَلِكَ) خَبَرُ الْوَاحِدِ فِي حَظْرِهَا. قِيلَ لَهُ: لَيْسَ كَذَلِكَ، لِأَنَّ النَّقْلَ وَإِنْ كَانَ قَدْ دَلَّ عَلَى إبَاحَةِ أَشْيَاءَ فِي الْجُمْلَةِ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَدَّمَ مِنَّا الْقَوْلُ فِيهِ، فَإِنَّا مَتَى قَصَدْنَا إلَى اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مِنْهَا بِعَيْنِهِ فَإِنَّمَا طَرِيقُ اسْتِبَاحَتِهِ الِاجْتِهَادُ، وَغَلَبَةُ الظَّنِّ فِي أَلَّا يَلْحَقَنَا بِهِ ضَرَرٌ أَكْثَرُ مِمَّا نَرْجُو بِهِ مِنْ نَفْعٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ التَّصَرُّفَ فِي التِّجَارَاتِ وَالْخُرُوجَ فِي الْأَسْفَارِ وَشُرْبَ الْأَدْوِيَةِ وَأَكْلَ الْأَطْعِمَةِ إنَّمَا يَصِحُّ لَنَا مِنْهَا اسْتِبَاحَةُ مَا لَا يَلْحَقُنَا بِهِ ضَرَرٌ أَكْثَرُ مِنْ النَّفْعِ الَّذِي نَرْجُوهُ بِهَا فِي غَالِبِ ظَنِّنَا. وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ (فِيمَا) سَلَفَ، وَذَكَرْنَا أَنَّ نَظِيرَهُ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ مَرَضِيَّيْنِ فِي الْجُمْلَةِ، وَذَلِكَ ثَابِتٌ بِمَا أَوْجَبَ لَنَا الْعِلْمَ الْحَقِيقِيَّ، ثُمَّ مَتَى عَيَّنَّا شَاهِدَيْنِ كَانَ قَبُولُ شَهَادَتِهِمَا (مِنْ طَرِيقِ غَالِبِ الظَّنِّ لَا مِنْ جِهَةِ حَقِيقَةِ الْعِلْمِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَسَعُ الِاجْتِهَادُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمَا) عَلَى حَسَبِ مَا يَغْلِبُ فِي الظَّنِّ مِنْ قَبُولِهَا أَوْ رَدِّهَا فَكَذَلِكَ مَا وَصَفْنَا فِي كَوْنِ الْأَشْيَاءِ مُبَاحَةً فِي الْأَصْلِ هُوَ عَلَى (هَذَا السَّبِيلِ) . .

وفي النيل:

قَوْلُهُ: (وَأَبِي الْحُسَيْلِ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا وَسُكُونِ الْيَاءِ بِلَفْظِ التَّصْغِيرِ وَهُوَ وَالِدُ حُذَيْفَةَ فَيَكُونُ لَفْظُ الْحُسَيْلِ عَطْفَ بَيَانٍ قَوْلُهُ: (فَاشْتَرَطُوا عَلَيْهِ أَنَّ مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ. . . إلَخْ) فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ الْآتِي بَعْدَ هَذَا"أَنَّ سُهَيْلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: وَعَلَى أَنْ لَا يَاتِيَكَ مِنَّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِكَ إلَّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا"قَوْلُهُ: (فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ. . . إلَخْ) سَمَّى الْوَاقِدِيُّ جَمَاعَةً مِمَّنْ قَالَ ذَلِكَ مِنْهُمْ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ. وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ سَهْلَ بْنَ حَنِيفٍ كَانَ مِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ أَيْضًا. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت