قوله تعالى:"ثم تاب عليهم"قيل: توبته عليهم أن تدارك قلوبهم حتى لم تزغ، وكذلك سنة الحق مع أوليائه إذا أشرفوا على العطب، ووطنوا أنفسهم على الهلاك أمطر عليهم سحائب الجود فأحيا قلوبهم. وينشد:
منك أرجو ولست أعرف ربا ... يرتجى منه بعض ما منك أرجو
وإذا اشتدت الشدائد في الأرض ... على الخلق فاستغاثوا وعجوا
وابتليت العباد بالخوف والجوع ... وصروا على الذنوب ولجوا
لم يكن لي سواك ربي ملاذ ... فتيقنت أنني بك أنجو
وقال في حق الثلاثة:"ثم تاب عليهم ليتوبوا"فقيل: معنى"ثم تاب عليهم"أي وفقهم للتوبة ليتوبوا. وقيل: المعنى تاب عليهم؛ أي فسح لهم ولم يعجل عقابهم ليتوبوا. وقيل: تاب عليهم ليثبتوا على التوبة. وقيل: المعنى تاب عليهم ليرجعوا إلى حال الرضا عنهم. وبالجملة فلولا ما سبق لهم في علمه أنه قضى لهم بالتوبة ما تابوا؛ دليله قوله عليه السلام: (اعملوا فكل ميسر لما خلق له) .
** لَقَدْ تَابَ الله عَلَىَ النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأنصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رّحِيمٌ
قال مجاهد وغير واحد: نزلت هذه الاَية في غزوة تبوك، وذلك أنهم خرجوا إليها في شدة من الأمر في سنة مجدبة وحر شديد وعسر من الزاد والماء، قال قتادة: خرجوا إلى الشام عام تبوك في لهبان الحر على ما يعلم الله من الجهد، أصابهم فيها جهد شديد حتى لقد ذكر لنا أن الرجلين كانا يشقان التمرة بينهما، وكان النفر يتداولون التمرة بينهم يمصها هذا ثم يشرب عليها ثم يمصها هذا ثم يشرب عليها، فتاب الله عليهم وأقفلهم من غزوتهم، وقال ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال عن عتبة بن أبي عتبة عن نافع بن جبير بن مطعم عن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب في شأن العسرة، فقال عمر بن الخطاب: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلًا فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، وحتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله عز وجل قد عودك في الدعاء خيرًا فادع لنا، فقال «تحب ذلك؟» قال نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى سالت السماء فأهطلت ثم سكنت، فملؤا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر، وقال ابن جرير: في قوله لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة* أي من النفقة والطهر والزاد والماء من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم* أي عن الحق، ويشك في دين الرسول صلى الله عليه وسلم ويرتاب للذي نالهم من المشقة والشدة في سفرهم وغزوهم ثم تاب عليهم* يقول: ثم رزقهم الإنابة إلى ربهم والرجوع إلى الثبات على دينه إنه بهم رؤوف رحيم*.
وقال الشهيد سيد قطب رحمه الله:
وتوبة اللّه على النبي - صلى الله عليه وسلم - تفهم بالرجوع إلى ما كان في أحداث الغزوة بجملتها؛ والظاهر أنها متعلقة بما سبق أن قال اللّه عنه لنبيه: (عفا اللّه عنك. لم أذنت لهم حتى يتبين لك الذين صدقوا وتعلم الكاذبين) . . ذلك حين استأذنه جماعة من أولي الطول بأعذار منتحلة فأذن لهم. وقد عفا اللّه عنه في اجتهاده صلى الله عليه وسلم - مع تنبيهه إلى أن الأولى كان هو التريث حتى يتبين الصادقين في أعذارهم من الكاذبين المتمحلين!
وتوبته على المهاجرين والأنصار يشير النص الذي بين أيدينا إلى ملابساتها في قوله تعالى: (الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) . .