مُعَاوِيَةَ وَأَخِيهِ عُتْبَةُ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَا سَجَّلَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَجْلِسِ كُلَّ وَاحِدٍ وَحْدَهُ. وَمِنْهُ مَا رُوِيَ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ فِي بَعْضِ الْحَوَائِجِ، فَانْقَطَعَ مُعَاوِيَةُ فِي مَشُورَةِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ فِي جَانِبِ الْمَجْلِسِ سَاعَةً، فَكَتَبَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ فِي دَوَاةِ مُعَاوِيَةَ هَذَيْنِ الْبَيْتَيْنِ: لَنَا الْفَضْلُ يَا هَذَا عَلَيْكَ بِبَذْلِنَا إلَيْكَ وُجُوهًا لَمْ تَشِنْهَا الْمَطَالِبُ وَإِنَّ الَّذِي نُعْطِيكَ مِنْ حُرِّ أَوْجُهٍ لَأَفْضَلُ مِمَّا أَنْتَ مُعْطٍ وَوَاهِبُ وَكَفَى بِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي عِقْدِهِ وَالْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِهِ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ عَقْدِ الصُّلْحِ قَالَ لِلْحَسَنِ عليه السلام قُمْ فَأَعْلِمْ النَّاسَ أَنَّك قَدْ سَلَّمْت لِي هَذَا الْأَمْرَ، فَقَامَ وَخَطَبَ وَشَكَا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ، وَكَانَ مِمَّا قَالَهُ: إنَّمَا الْخَلِيفَةُ مَنْ عَمِلَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ نَبِيِّهِ. وَأَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَإِنَّمَا هُوَ رَجُلٌ مَلَكَ مُلْكًا يَتَمَتَّعُ بِهِ قَلِيلًا، وَيُعَذَّبُ بِسَبَبِهِ طَوِيلًا وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ * أَوْ كَمَا قَالَ: وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا نُقِلَ مِنْ مُوَاصَلَةِ الْعُلَمَاءِ الرَّاشِدِينَ لِبَعْضِ الظَّلَمَةِ، فَإِنَّمَا كَانَ لِطَلَبِ حَاجَةٍ أَوْ إجَابَةِ طَالِبٍ، لَا لِمُجَرَّدِ تَعْظِيمٍ بِتَسْلِيمٍ أَوْ تَهْنِئَةٍ أَوْ وَدَاعٍ. نَعَمْ رُبَّمَا نُقِلَ عَمَّنْ مَالَ قَلْبُهُ إلَى الدُّنْيَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ مُوَاصَلَتُهُمْ تَعْظِيمًا، فَقَالَ فِيهِ زَيْنُ الْعَابِدِينَ"أَكَلَ مِنْ حَلْوَاهُمْ فَمَالَ فِي هَوَاهُمْ"فَلَا يَحْتَجُّ بِفِعْلِ مِثْلِهِمْ إلَّا ضَالٌّ عَنْ الطَّرِيقِ،
(قَوْلُهُ) الْقَوْا الْفُسَّاقَ * إلَخْ تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ) مَنْ مَشَى إلَى ظَالِمٍ * إلَخْ. تَقَدَّمَ (قَوْلُهُ) فَأَصَبْتُمْ مِنْ دُنْيَاهُمْ * إلَخْ. عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أَنَّهُ قَالَ إنَّ نَاسًا مِنْ أُمَّتِي سَيَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ، وَيَقُولُونَ، نَاتِي الْأُمَرَاءَ فَنُصِيبُ مِنْ دُنْيَاهُمْ وَنَعْتَزِلُهُمْ بِدِينِنَا، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ، كَمَا لَا يُجْتَنَى مِنْ الْقَتَادِ إلَّا الشَّوْكُ. كَذَلِكَ لَا يُجْتَنَى مِنْ قَوْلِهِمْ إلًّا * قَالَ ابْنُ الصَّبَّاحِ كَأَنَّهُ يَعْنِي الْخَطَايَا. رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرُوَاتُهُ ثِقَاتٌ. (قَوْلُهُ) "وَمِنْهُ الْقِصَّةُ الْمَشْهُورَةُ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ مَعَ مُعَاوِيَةَ"إلَخْ. حُكِيَ فِي كِتَابِ جَوَاهِرِ الْأَخْبَارِ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ اجْتَمَعَ يَوْمًا عِنْدَ مُعَاوِيَةَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا مُعَاوِيَةُ، إنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ قَدْ أَحْيَا أَبَاهُ، وَقَدْ قَالَ فَصُدِّقَ وَأَمَرَ فَأُطِيعَ، وَخَفَقَتْ خَلْفَهُ النِّعَالُ، وَهَذَا رَافِعُهُ إلَى مَا هُوَ أَرْفَعُ مِنْهُ. فَلَوْ أَرْسَلْت إلَيْهِ فَأَخَذْنَا لَك مِنْهُ، فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: مَا رَأَيْتُهُ قَطُّ إلَّا كَرِهْت عِتَابَهُ، وَخِفْت جَوَابَهُ، وَلَئِنْ أَرْسَلْتُمْ إلَيْهِ لَأُنْصِفَنَّهُ مِنْكُمْ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى مُعَاوِيَةَ سَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَحَّبَ بِهِ مُعَاوِيَةُ، ثُمَّ قَالَ: إنِّي لَمْ أُرْسِلْ إلَيْك، وَإِنَّمَا هَؤُلَاءِ غَلَبُونِي عَلَى أَمْرِي فَأَرْسَلُوا إلَيْك، فَلَا يَمْنَعُك مَكَانِي أَنْ تُجِيبَهُمْ بِمَا رَأَيْت. فَقَالَ الْحَسَنُ: سُبْحَانَ اللَّهِ الْمَنْزِلُ مَنْزِلُك وَالْأَمْرُ أَمْرُك، وَاَللَّهِ إنْ كَانُوا غَلَبُوك عَلَى مَا أَرَدْت، إنِّي لَأَسْتَحْيِي لَك مِنْ الضَّعْفِ، وَإِنْ كُنْت أَجَبْتهمْ إلَى مَا أَرَادُوهُ إنِّي لَأَسْتَحْيِي لَك مِنْ الْفُحْشِ فَبِأَيَّتِهِمَا تُقِرُّ، وَمِنْ أَيَّتِهِمَا تَفِرُّ، وَلَوْ عَلِمْت أَنَّ هَذَا يُرَادُ بِي لَجِئْت وَمَعِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ عُدَّتُهُمْ نَالَ مِنْ الْحَسَنِ وَمِنْ عَلِيٍّ، فَلَمَّا سَكَتُوا تَكَلَّمَ الْحَسَنُ، فَقَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ، مَا شَتَمَنِي غَيْرُك؛ وَلَا أَبْدَأُ إلَّا بِك، وَلَا أَقُولُ فِيك إلَّا دُونَ مَا هُوَ فِيك. ثُمَّ ذَكَرَ بَعْضَ مَثَالِبِهِ، ثُمَّ أَجَابَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَذَكَرَ بَعْضَ لِيَكْفُوهُمْ فَتَكَلَّمَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ثُمَّ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، ثُمَّ الْوَلِيدُ بْنُ عُقْبَةَ، ثُمَّ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ، وَكُلُّهُمْ مَسَاوِيهِمْ، فَقَالَ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ: ذُوقُوا ذُوقُوا. فَقَالَ لَهُ الْوَلِيدُ: وَاَللَّهِ مَا ذُقْنَا شَيْئًا إلَّا وَقَدْ ذُقْت مَا هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ"هَذَا حَاصِلُ الْقِصَّةِ إجْمَالًا. وَتَرَكْت حِكَايَةَ كَلَامِهِمْ اخْتِصَارًا وَصِيَانَةً. (قَوْلُهُ) "وَكَفَى بِمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ رَبِّهِ فِي عِقْدِهِ، وَالْمَسْعُودِيُّ فِي مُرُوجِهِ"إلَخْ. قُلْت: قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي صُورَةِ كَلَامِ الْحَسَنِ عليه السلام يَوْمَئِذٍ، وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمَسْعُودِيُّ فِي الْمُرُوجِ أَنَّ الْحَسَنَ عليه السلام لَمَّا صَالَحَ مُعَاوِيَةَ لِمَا نَالَهُ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ، وَمَا نَزَلَ بِهِ أَشَارَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ عَلَى مُعَاوِيَةَ وَذَلِكَ بِالْكُوفَةِ، أَنْ يَامُرَ الْحَسَنَ أَنْ يَقُومَ فَيَخْطُبَ النَّاسَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ، فَقَالَ عَمْرٌو: إنِّي أُرِيدُ أَنْ يَبْدُوَ عِيُّهُ فِي النَّاسِ، فَإِنَّهُ يَتَكَلَّمُ فِي أُمُورٍ لَا يَدْرِي مَا هِيَ وَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتَّى أَطَاعَهُ. فَخَرَجَ مُعَاوِيَةُ فَخَطَبَ النَّاسَ، وَأَمَرَ رَجُلًا فَنَادَى: حَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ، فَقَامَ إلَيْهِ، فَقَالَ: قُمْ يَا حَسَنٌ فَكَلِّمْ النَّاسَ، فَقَامَ وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعْدُ أَيُّهَا النَّاسُ، فَإِنَّ اللَّهَ هَدَاكُمْ بِأَوَّلِنَا، وَحَقَنَ دِمَاءَكُمْ بِآخِرِنَا، وَإِنَّ لِهَذَا الْأَمْرِ أَمَدًا، وَالدُّنْيَا دُوَلٌ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وآله وسلم فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنْ أَدْرِي أَقَرِيبٌ أَمْ بَعِيدٌ مَا تُوعَدُونَ * إنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنْ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ * وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ * ثُمَّ قَالَ فِي كَلَامِهِ ذَلِكَ: يَا أَهْلَ الْكُوفَةِ لَوْ لَمْ تُذْهَلْ نَفْسِي عَنْكُمْ إلَّا لِثَلَاثِ خِصَالٍ، لَذَهِلَتْ: مَقْتَلَكُمْ أَبِي، وَسَلْبَكُمْ ثِقْلِي،"