1 -أن يكون عالمًا بما سيأمرهم به وينهاهم عنه .. إذ جاهل الشيء كفاقده لا يمكن أن يُعطيه!
ومن العلم أن لا ينكر المنكر بما هو أنكر منه .. وأن لا يزيل الفتنة بفتنة أعظم منها!
2 -أن لا يطيل المكث في مجالسهم أكثر مما تقتضيه ضرورة تبليغ الدعوة .. وقيام الحجة عليهم.
3 -أن ينكر المنكر إذا رآه؛ حتى لا يُفسر سكوته على أنه إقرار لمنكرهم وباطلهم.
4 -إن عجز عن إنكار المنكر أو أنكر عليهم منكرهم فلم ينتهوا .. تعين عليه القيام من مجلسهم ومفارقتهم؛ حتى لا يُحمل عليه قوله تعالى:؟ إنكم إذًا مثلهم.
بهذه الشروط نجيز للداعية بأن يقتحم مجالس القوم .. وإلا، فلا!
ومنها: أن يُقابل جميل أو معروف الكافر بمعروف آخر مشروع .. فمثل هذا الوصل والإحسان لا حرج فيه إن شاء الله.
فقد ثبت في الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"لو كان المطعم بن عدي حيًا ثم كلمني في هؤلاء النتن ـ يعني أسرى بدر ـ لأطلقتهم له". وذلك أن مطعمًا
كان قد أجار النبي صلى الله عليه وسلم لأيامٍ في مكة أيام الشدة .. فلم ينسها النبي صلى الله عليه وسلم له، وأراد أن يكافئه بصنيع جميل آخر؛ وهو أن يُطلق له أسرى بدر الذين يزداد تعدادهم عن السبعين رجل .. لكن مُطعمًا قد مات على الشرك قبل ذلك!
وكان ابن عباس يقول: لو قال لي فرعون: بارك الله فيك، قلت: وفيك، وفرعون قد مات!! [] . وهذا كله من قبيل مقابلة الحسنة بالحسنة .. ورد المعروف بمعروف آخر، والله تعالى أعلم.
خلاصة القول: أن هذا النوع من الوصل والإحسان ـ وفق الحالات المبينة أعلاه ـ هو وصل مشروع لا حرج فيه إن شاء الله .. لا ينبغي أن نترفع عنه أو نزهد به وبفضله، وآثاره الحسنة .. ونحن في غمرات الحماسة والعمل من أجل استئناف حياة إسلامية راشدة .. كما لا ينبغي أن يُفسر على أنه مناقض لعقيدة الولاء والبراء التي جاء بها الإسلام .. وللأصل العام الذي ينص على مبدأ الاعتزال والمفاصلة كما هو مبين في مطلع هذه المسألة!
ثانيًا: سلاطين الجور والفجور: وهؤلاء وإن كان ظلمهم لا يرقى بهم إلى درجة الكفر والخروج من الإسلام، إلا أن السنة قد مضت فيهم أن يُهجروا، ويُهجر العمل عندهم .. تبكيتًا لهم، وحتى لا يتقووا بالصالحين على ظلمهم، وباطلهم، ومنكرهم!
فقد صحّ عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"ليأتينَّ عليكم أمراء يقربون شرار الناس، ويؤخرون الصلاة عن مواقيتها، فمن أدرك ذلك منهم فلا يكوننَّ عريفًا ولا شرطيًا، ولا جابيًا ولا خازنًا" [] .
وقال صلى الله عليه وسلم:"يليكم عمال من بعدي يقولون ما يعلمون، ويعملون بما يعرفون، وطاعة أولئك طاعة، فتلبثون كذلك دهرًا، ثم يليكم عمال من بعدي يقولون ما لا يعلمون، ويعملون ما لا يعرفون، فمن ناصحهم ووازرهم وشد على أعضادهم، فأولئك قد هلكوا وأهلكوا، خالطوهم بأجسادكم وزايلوهم بأعمالكم" [] .
فقد هلكوا وأهلكوا .. لما يترتب على المناصحة والمؤازرة والخلطة لسلاطين الجور من تقويتهم على باطلهم وظلمهم وإعانتهم على منكرهم .. ولما يترتب عليه من إضلال للناس .. وتزيينٍ لباطل السلاطين هؤلاء في أعين الناس .. فيقولون: لولا يكون هذا الحاكم أو السلطان على حق وصواب لما خالطه هؤلاء .. ولما ناصحوه، وآزروه .. وبخاصة إن كان هؤلاء من ذوي العلم والشرف، والمكانة الرفيعة في أعين الناس!
وقال صلى الله عليه وسلم:"سيكون أمراءٌ تعرفون وتنكرون، فمن نابذهم نجا، ومن اعتزلهم سَلِم، ومن خالطَهم هلك" [] .