أولًا: الكفار، والكفار المرتدون: عندما يأبى الكافرون، والكافرون المرتدون إلا العناد، والإعراض عن الحق .. فإنه يتعين هجرهم واعتزالهم، واعتزال مجالسهم، وبخاصة إن كانوا في مجالسهم يخوضون في آيات الله بغير حق، لقوله تعالى:؟ وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ الأنعام:68.
وقال تعالى:؟ وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا النساء:140.
وقال تعالى عن نبيه إبراهيم عليه السلام:؟ وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا مريم:48.
فاعتزال المجرمين ومجالسهم من ملة إبراهيم التي لا يرغب عنها إلا من سفه نفسه، كما قال تعالى:؟ وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ البقرة:130.
وقال تعالى:؟ فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا مريم:49. فمن بركات اعتزاله للظالمين وما يَعبدون من دون الله أن وهبه الله تعالى إسحاق ويعقوب .. جزاء اعتزاله لهم!
قلت: ولا أرى للعقيم دواء كاعتزاله للمجرمين الظالمين وما يعبدون من دون الله تعالى .. ابتغاء مرضاة الله!
وقال تعالى عن أصحاب الكهف:؟ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَاوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا الكهف:16. فلما اعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون الله وآووا إلى الكهف .. نشر ربهم عليهم من رحمته ورضوانه.
فأصل العلاقة بين المؤمنين والكافرين المجرمين قائمة على العداوة والبغضاء حتى يؤمنوا بالله تعالى وحده، كما قال تعالى:؟ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ الممتحنة:4.
ولما سأل نوح عليه السلام ربَّه أن ينجي ولدَه من الغرق .. بعد أن أبى ولده إلا الإعراض، والكبر، والعناد للحق .. فظن أن الجبل عاصمه من الغرق .. جاءه العتاب الرباني:؟ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ هود:46. لأن الجاهلين هم الذين يقدمون رابطة الدم والنسب على رابطة العقيدة والتوحيد.
فإن قيل: هل جميع الكفار يستوون في الهجر والاعتزال .. ؟
أقول: وإن كان الأصل في التعامل مع الذين كفروا الهجر والاعتزال .. إلا أن ذلك يتفاوت بحسب درجة عناد وعداوة كل كافر أو طائفة من طوائف الكفر .. فلا ينبغي أن يُعامل الكافر المستجير ـ من حيث الهجر والاعتزال ـ الذي يريد أن يسمع كلام الله تعالى كالكافر المعاند المعرض، المحارب .. ولا المؤلفة قلوبهم، كالمحاربين المعاندين!
وعليه فإننا نستطيع أن نقول: كلما تغلظ كفر الكافر .. واشتد عناده، وإعراضه عن الحق، كلما تعين الهجر والاعتزال بحقه .. وكلما ظهر للكافر ميله إلى الحق، وظهرت رغبته فيه .. كلما خفت حدة الهجر والاعتزال بحقه، وكان