فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 98455 من 466147

فقراءة الشطر الأول لا تدل على مدح، فالشح عيب ولا خيرَ فيه، وفي القرآن الكريم: {وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (الحشر: 9) هكذا على الإطلاق لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك، وعلى هذا يكون ما استثناه عيبًا بل عيبًا شنيعًا، وناهيك بالشح عيبًا وشناعةً، ولكن الشاعر حينما قال:"ومن المكارم أن يكن شحاحًا". مَحَا ما وقع في وهمك أولًا، وبين أن هذا من المكارم، ولولا ما جاء في الشطر الثاني لما كان الشطر الأول إلا ذمًّا خالصًا. وربما عنَى بذلك أنهن يحافظن على أموال أزواجهن فلا يسرفن في الإنفاق كما هو الشأن في المرأة، ولا يبذرن ولا يخرجن منها إلا ما أذن فيه الأزواج، فسمى ذلك شُحًّا؛ مبالغةً في صورة المحافظة على المال، وهو في الحقيقة ليس كذلك، وهذا نوع جديد غير ما مضى. ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم قول حاتم الطائي:

وما تتشكى جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها

فيبلغها خيري ويرجع أهلها ... إليها ولم تقصر علي ستورها

ففي صدر البيت الأول ينفي شكوى جارته منه، والشكوى إنما تكون من أمر غير مرضي من قبل الشاكي، وأن تفعل مع جيرانك ما يرضيهم ولا يشكون منه فهذا أمر حسن تُحمد عليه، وهو من حسن الجوار الذي تدعو إليه مكارم الأخلاق وشرائع السماء. وفي هذا مدح للنفس وفخر بفعالها، فلما جاء الاستثناء"غير"أوقع في وهمك أن هناك شيئًا تشكو منه الجارة، وبالتالي فإنه يوهم أنك فعلت معها ما لا يرضيها، فلا تكون الشكوى إلا من ذلك، وهذا يقلل من مدحه لنفسه الذي بدأ به. ومع هذا الوهم الذي يتبعه ترقب ما فعله معها وانتظار خبره، واللهفة المصاحبة لذلك، يستمر في إنشاده:"إنني إذا غاب عنها بعلها"فنحن حتى هذه اللحظة لا نعرف ماذا يفعل معها حينما يغيب عنها بعلها وهو ما تشكوه منه، وقد يذهب بك الظن كل مذهب في تقدير هذا الذي يفعله مع جارته في غياب بعلها. ولكن حينما يأتي إلى نهاية البيت تعرف جوابَ الشرط وهو:"لا أزورها". وعدم زيارة الجارة في غيبة الزوج ليس من العيب في شيء ، بل هو مما يتمدح به العربي قبل الإسلام؛ دلالةً على حفظ الجوار وحفظ غيبة جاره.

{وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا (35) }

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت