يتمثل هذا الفرق في أن البيت الأول بدأ بنفي جنس العيب ثم استثنى ما يُوهِم أنه عيب، وأن الأخير بدأ بإثبات كمال الأخلاق، ثم استثنى صفة مدح صريحة واضحة ليس فيها إيهام عيب كسابقه. ثم أعقبه ببيان درجة هذا الجود وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا. وليس هذا هو الفرق فقط وإن كان فرقًا واضحًا، ولكن هناك فرقا آخر وهو أن إثبات صفة المدح بعد الاستثناء ورَفع الوهم الذي فيه أُخِذَ في البيت الأول من نص الكلام، وهو أن فلول السيوف من قراع الكتائب، أما في البيت الثاني فإنه لم يؤخذ من نص مذكور في البيت، فالوهم جاء من الاستثناء، ثم دفعه إثبات صفة الجود ثم رده إلى مكانه بيانُ درجة هذا الجود، وهو أنه لا يبقي من المال باقيًا، ثم تركك عند هذا الحد لترتد إلى المثل العليا ووقائع التاريخ، حتى يتبين لك أن هذا ليس من العيب في شيء ، وأن النماذج الفذة في العطاء لم تصل إلى ما وصلت إليه إلا لأنها لم تكن - أي: تلك النماذج - تبقي من المال باقيًا. وبهذا الاستنتاج العقلي يدخل الممدوح في الإطار الذي دخلت فيه هذه النماذج الخالدة، وهذا أقصى ما يطمح إليه إنسان. ونظيره البيت السابق:
فتى كملت أخلاقه غير أنه ... جواد فما يبقي من المال باقيا
قول ابن المقرب:
وسلاب أرواح الكماة لدى الوغى ... ولكن مرجيه لدى السلم سالبه
فما قبل لكن وصفٌ للممدوح بالجرأة والشجاعة لدى الوغى، وما بعد لكن وصف آخر بالكرم وتحقيق الرجاء. ونلاحظ أن الذي ذُكِر في البيت أداة استدراك وليس أداة استثناء. ومنه قول بديع الزمان الهمذاني:
هو البدر إلا أنه البحر زاخر ... سوى أنه الضرغام لكنه الوبل
وقول الآخر:
أخو ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله
ومن تأكيد المدح بما يشبه الذم - وهذه صورة ثالثة يأتي عليها هذا الضرب من ألوان البديع - ما يوهم ظاهره أنه ذم خالص، كقول بعضهم:
ولا عيب فيهم غير شح نسائهم ... ومن المكارم أن يكن شحاحا