ولا شكَّ أن قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ} [النساء: 15] لفظٌ ظاهرهُ العُموم، فيجوز أن يكونَ أُريد به التخصيصُ، إما بالأبكارِ من النساءِ، أو بالثَّيّبات منهن، ويجوزُ أن يكونَ على عمومهِ فيعمَّ البكْرَ والثَّيِّبَ، هذا هو المُتَعَينُ عندي؛ لإطلاق اللفظِ على حقيقةِ عمومهِ، وليَس هنا دليلٌ على التخصيص بالأبكار أو بالثيّبات.
فإن قلتم: فهل نجد بياناً يعضد قولك؟
قلت: قوله - صلى الله عليه وسلم -:"خُذوا عني، خُذوا عني، قَدْ جَعَلَ اللهُ لَهُن سَبيلًا، البِكْرُ بالبِكْرِ جَلْدُ مِئةٍ وتَغْريبُ عامٍ، والثَّيِّبُ بالثيِّبِ جَلْدُ مِئَةٍ والرَّجْمُ"، فذكر البكرَ والثيّبَ بعدَ أن ذكر الضميرَ العائدَ عليهنَّ بقوله - صلى الله عليه وسلم -:"قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وضم إلى بيانهن بيانَ حكمِ المذكور الذي في الآية الثانية، فدَّل على أنه على عمومه.
إذا تقرَّرَ هذا، فقد قال بعض المفسرين، وبعض مؤلفي الناسخ والمنسوخ: إن هذه الآيةَ في البِكْرين تردُّ التي بعدَها في المُحصَنين، وقال أكثرُهم: هذه في المحُصَنيَن، والتي بعدَها في البِكرين.
ولقد أخطؤوا خطأ فاحشًا من جهة اللغة؛ حيث أطلقوا اللفظَ المختصَّ
بالإناثِ، وهو قوله تعالى: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ} على الذكور؛ إذ لا يُعرف في اللسان أن جمعَ الإناثِ يتناولُ الذكورَ، لا منفردينَ ولا مجتمعين مع الإناث، نعم يجوزُ في لغةٍ شاذةٍ إطلاقُ جمعِ المؤنثِ على جمع المذكر مَجازًا في جمع الموصولِ خاصَّة؛ كقولِ الشاعر: [البحر الوافر]
فَما آباؤُنا بأمنَّ مِنْهُ ... عَلَينا اللائي قَدْ مَهَدُوا الحُجُورَا
ولا يجوزُ تنزيلُ قولهم على هذا؛ لأن القرآن لم يردّ باللغة الشاذة، ولو لم تكن شاذةً، لَمّا جازَ؛ لقولهِ تعالى: {يَأْتِينَ} ، ولو كانَ المرادُ به اللغة المذكورة لقال: يأتون؛ كقوله: مهدوا الحُجورا، وللتقييد بالنساء؛ كقوله تعالى: {مِنْ نِسَائِكُمْ} ، فليس على تخصيصهم إحدى الآيتين بإحدى الصفتين دليلٌ، وإنما هو تحكُّمٌ باطل.
* ثم اختلف أهلُ العلم:
-فقال بعضهم: هذه الآيةُ منسوخةٌ بآية الجَلْد؛ بدليل قوله - صلى الله عليه وسلم -:"قد جعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا"، وأضاف البيانَ إلى اللهِ تعالى.
-وقال بعضُهم: ليست منسوخةً؛ لأن الله سبحانه علقَ البيانَ بوقتٍ،