وبالأول قال أبو حنيفةَ ومالكٌ، فاشترطا الإِسلامَ في المحدودِ بالرجم والجلدِ الذي استقر حكمًا مبينًا لهذه الآية، فيكون إطلاقهُ أيضًا مبيَّنًا بتقييدِ المبيَّنِ بنساءِ المؤمنين، فأنه إذا كان اللفظ مفتقرًا إلى البيان لإجماله، فهو مقيدٌ بحالٍ أو صفةٍ، فورد لفظٌ مُبَيِّنٌ لذلك الإجمال، وهو حالٌ من ذلك التقييد، حمل على التقييد، وصار مبيِّناً.
ويشهد للتقييد التقييدُ في الآية التي تليها، وهو قوله: {وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ} [النساء: 16] .
ويشهد له أيضًا الاعتبارُ بالتقييد؛ كقوله تعالى: {وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ وَلَا نِسَائِهِنَّ} [الأحزاب: 55] .
وبالاحتمال الثاني قال الشافعيُّ، ويشهدُ له ما رويناه في"الصحيحين"من حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال: إن اليهودَ
جاؤوا إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فذكروا أن امرأةً منهم ورجلا زَنَيا، فقال لهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ما تجدونَ في التَّوراةِ في شأنِ الرَّجْمِ؟"، فقالوا: نفضحهم، ويجلدون، قال عبدُ الله بنُ سَلامٍ: كذبتم، فيها آية الرجم، فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضعَ أحدُهم يدَه على آية الرجم، فقرأ ما قبلها، وما بعدَها، فقال له عبد الله بن سلام: ارفعْ يدكَ، فرفعِ يدَهُ، فإذا فيها آيةُ الرجمِ، فقال: صدقتَ يا محمَّد، فأمر بهما النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فرُجِما.
واعتذر الحنفيةُ: أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رجمهما بحكمِ التوراةِ، وأن ذلكَ عندَ قدومِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - المدينةَ، وادَّعَوا أن آيةَ الرجمِ نزلتْ بعد ذلك، فكانَ الحديثُ منسوخاً.
وهذا خطأ؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"ما تَجِدُونَ في التوراةِ في شَأنِ الرَّجْمِ؟"، فدلَّ على أن ذلكَ بعدَ نزولِ الرجمِ وتقرُّرهِ عندَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، والنسخُ يحتاج إلى تاريخٍ، وبعيدٌ أن يجدوه منقولاً. ولو اعتذروا بكونِ ذلك عقوبة كليَّة جاءت خصيصًا لنبيه - صلى الله عليه وسلم - مؤاخذةً لهم من عند الله سبحانه بنقيضِ قصدِهم؛ حيث قصدوا الرخْصَةَ معَ وجُودِ حكمِ اللهِ عندَهم الذي استُحفظوه، وكانوا
عليه شهداءَ، فأوجبَ ذلكَ عليهم عقوبة وانتِقاماً لإعراضهم عن قبولِ حكمٍ يعتقدونه إلى حكم يَجْحدونه ويكفرون به = كان أقربَ من دعوى النسخ.