فإن قلتم: فقد تميزت هذه الشهادةُ عن سائرِ الشهاداتِ بالحقوقِ، فهل تلحق بها شهادة المرءِ على نفسه، فلا بد من أربع شهادات في الإقرار؛ كسائر الأصول المختصة بالزنا، أو يكفي مرة واحدة كسائر الأصول في الإقرار بالحقوق؟
فالجوابُ أنه يحتملُ الأمرين.
وبالأول: قال أبو حنيفة، وأحمدُ، وإسحاقُ.
وبالثاني: قال الشافعيُّ ومالكٌ.
والراجح إلحاقُ أبي حنيفةَ؛ لأن إلحاقَ الشيء بالأصول التي من جنسه أولى من غير جنسه، ويَعْضِدُه الحديثُ وظاهرُ القرآن.
أما الحديث، فما روينا في"الصحيحين"من حديثِ أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - قال: أتى رجلٌ من المسلمين رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، فأعرضَ عنه، فتنحَّى تِلقاءَ وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت، فأعرض عنه حتى عَدَّ أربع مراتٍ، فلما شهدَ على نفسه أربعَ شهادات، دعاهُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقال:"أَبكَ جُنونٌ؟"قال: لا، قال:"فَهَلْ أَحصَنْتَ؟"قال: نعم، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"اذْهَبُوا بِهِ فارْجمُوُهُ".
وأما ظاهرُ القرآن العزيز، فقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} [النساء: 135] ، فسمى الإقرارَ شهادةً، وقد اشتركا في التسمية، فاعتبر فيها العددُ؛ كشهادة الغير.
وأما إطلاقُ قوله - صلى الله عليه وسلم -:"واغْدُ يا أنيْسُ عَلى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ، فَارجُمْها"، محمولٌ على تقييد حديث أبي هريرةَ - رضي الله تعالى
عنه - ، فلا دليل فيه على خلاف أبي حنيفة.
* ثم أمر الله سبحانه بإمساكهِنَّ في البيوت حتى يتوفاهُنَّ الموتُ، أو يجعلَ اللهُ لهنَّ سبيلًا، وإمساكُهن حفظٌ لهنَّ عن الزنا، وليس بحكمٍ ولا حَد، وقد اعتقده كثيرٌ من الناس حكمًا، وسمَّوه حَدًّا، ولعلهم سَمَّوْهُ تجوزاً، أو ملاحظةً للوضع اللغويِّ؛ فإن الحدَّ في اللغة هو المنعُ، وأما أنه حَدّ حقيقيٌّ شرعيٌّ، فلا.
* وقيَّد الله سبحانه اللاتي يأتينَ الفاحشةَ بكونهنَّ من نساءِ المؤمنين.
-فيحتمل أن يكونَ أرادَ حقيقةَ التقييدِ، فلا يتناولُ الحكمُ غيرَ نساءِ المؤمنين.
-ويحتمل أن يكون جَرى التقييدُ بالمؤمنين لمواجهته إياهم بالخطاب.