وقال جمهورُ أهل العلم: محلُّه رأسُ المالِ مطلقًا، وبه قَالَ مالكٌ وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في المحُرِمِ الذي خَرَّ من بعيره:"كفِّنوهُ في ثَوْبَيْهِ اللَّذَيْنِ ماتَ فيهما"، وكُفِّنَ مصعبُ بنُ عميرٍ في نَمِرَة ليس لهُ غيرُها، ولم يسأل عن الثلث، ولو كان يختصُّ بالثلث، لسألَ وَبيَّنَ؛ لأنه موضع الحاجة، ولأن المالَ إنما نقل إلى الورثة؛ لاستغناء الميتِ عنه، وهو غيرُ مستغنٍ عن كفنه ومُؤْنَةِ تجهيزِه.
وهذا التعليلُ ضعيف، فللمخالفِ أن يقول: لا أسلِّمُ أنَّ المالَ إنما انتقل إلى الوارثِ لذلك، بل إنما انتقل إلى الوارث؛ لأنه لا يتصور لمن
هو من أهل الآخرة أن يملك شيئًا من أغراض الدنيا، ولو قالوا: إذا كانَ الدينُ محلُّه رأس المال؛ فلا يكون الكفنُ محلّه رأسُ المال، لأنه مقدم عليه في الحياة قطعاً، ولو جاز أن يكون محلُّه الثلثَ، لما جاز أن يتقدم على الدين الذي محلُّه رأسُ المال؛ وهو خلاف الإجماع.
68 - (9) قوله تعالى: {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ} [النساء: 12] .
* بين الله سبحانه فيها ميراثَ الأزواج، فجعلَ للزوج النصفَ عندَ عدمِ الولد، والرُّبُعَ عندَ وجوده، وجعل لجنسِ الزوجاتِ نصفَ ذلكَ عندَ وجودِ الولد، وعندَ عدمه، وأجمع المسلمون على أنهم لا ينقصون عن النصفِ والربعِ والثمنِ، ولهذا خُصَّ النقصانُ بجانبِ الأُمّ في مسألة زوج وأبوين، وزوجةٍ وأبوين.