فإن قلت: الصحيحُ عند أهل العلم بالأصول أن المقارِنَ ليسَ له حكمُ قرينه، فكيف ادَّعيتَ الاتفاقَ هنا؟
قلت: إن ذلك فيما إذا قَرَنَ بين أمرين في الذِّكر، وخَصَّ أحدَهما بالحكم دونَ الآخر، وأما إذا قَرَنَ بينهما، وقَصد بالحكم قصدًا إجمالياً، ثم بيَّن في أحدهما، فإن للآخر حُكْمَ قرينه، وهذا تحقيق حسنٌ لم يتنبَّهْ أحد عليه، والحمدُ للهِ على نعمِه ومِنَنه.
وبعدم المنع للإرث قال سائرُ الشافعية.
وقال أبو حنيفة: إن كان الدَّيْنُ يستغرقُ التركةَ، منعَ الإرثَ، وإلا فلا يمنعُ من الإرث شيئاً.
فإن قلتم: الوصيةُ والدَّيْنُ مطلقان، وذلك يقتضي تقديمَ أيِّ وصيةٍ كانت، وأيِّ دينٍ كان لله سبحانه، أو للآدميين.
قلنا: أما الوصيةُ فهي مقيدَةٌ في قوله تعالى: {غَيْرَ مُضَارٍّ} [النساء: 12] ،
وفي قوله تعالى: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} [النساء: 9] ، ولا يبطل حكمُ المقيدِ بتأخرِ المطلَقِ عنه، بل يقضى به عليه، وكذلك التقييدُ مذكورٌ في حديثِ سعدِ بنِ أبي وقاص أيضًا.
وأما الدينُ، فإنَّه في عُرْفِ اللسانِ مختصٌّ بدين الآدميين، وأما الواجباتُ الشرعيةُ، فلا تسمى في اللغة دَيْناً، ولهذا ألحقها مالكٌ وأبو حنيفةَ بجنس الوصايا، فقالا: إن أوصى بها، أُخرجتْ من الثلث، وإن لم يوص، لم يلزم الورثةَ إخراجُها، وألحقها الشافعيُّ بدين الآدميين؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -:"أَرَأَيْتِ لَوْ كانَ على أمكِ دَيْنٌ أَكُنْتِ قاضِيتهُ؟ اقْضُوا اللهَ، فاللهُ أَحَق بالوَفاءِ"، فهي لاحقة بالدينِ بالاستدلالِ، لا بالعموم.
* إذا تَمَّ هذا، فالدَّين مقدَّم على الوصية عندَ اجتماعهما، والدينُ معتبرٌ من رأسِ المالِ، والوصيةُ من الثلثِ اتفاقاً، وكلمة (أو) معناها التفصيل والتقسيم.
* ولم يذكر اللهُ سبحانه الكَفَنَ وتجهيزَ الميتِ؛ لوضوحِه عندَ الناس كما جرتْ عادتُهم بتقديمه على كل شيء، ولا شك أنَّه مقدَمٌ على الدِّيْنِ أيضًا بإجماعِ المسلمينِ، وإنما اختلفوا في مَحَلِّه، فقال بعضُ السَّلَف: محلُّه الثلثُ؛ لأنَّ المالَ ينتقلُ بالموت إلى الورثة، ولم يجعلِ اللهُ للميتِ إلا
الثلثَ، فاختصت به مُؤْنتُهُ، ولم يجزِ التضييقُ عليهم في ملكهم.
وقال الزهريُّ: إن كان الميتُ موسِرًا، فمحلُّه رأسُ المال، وإن كان مُعْسِرًا، فالثلثُ.