وهذا القولُ ضعيفٌ؛ لأن ما يجب لا يشترط فيه طيبةُ أنفسِ الوَرَثَةِ، فقد لا تطيبُ أصلًا، وقد يكونون أيتاماً لا يتصور طيبُ أنفُسِهم، بل هذا من خصائصِ المندوبِ إليه.
والذي ذهب إليه مالكٌ والشافعيُّ وأكثرُ أهل العلم أن الآيةَ مُحكَمَة محمولةٌ على الندبِ والاستحبابِ، لا الحَتْم والإيجاب، وهو قولُ ابنِ جُبير وعطاءٍ، ويروى عن ابنِ عباسٍ ومجاهدٍ - رضي الله تعالى عنهم - .
والدليل على صحته إجماعُ الأمةِ على أنهم إذا لم يحضروا القسمة لا يُرزقونَ شيئًا؛ كما اقتضاهُ الخطابُ في الآية، ولو كان واجبًا لوجبَ لهم، وإن لم يحضروا؛ كسائر الفرائضِ الواجباتِ، ولأنه لو كان واجبًا لكان مُقَدَّرًا محدودًا؛ كسائر الفرائض، فدلَّنا ذلك أنه على الندب.
(من أحكام الوصية)
66 - (7) قوله عزَّ وجل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [النساء: 9] .
* أمر الله سبحانه حاضرَ المُوصي أن يعدلَ في تلقينه بالوصية كما يعدل هو في وصيته لو كان هو الموصي يورثُ ولدَه، وليتقِ الله سبحانه، فلا يتجاوزِ الثلثَ، وليقلْ قولًا سديداً، أي: صوابًا، وهو التلقين بما دونَ الثلث، فالمقصودُ بالخطابِ الحاضرون.
قال ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - في رواية عطاء: كان الرجلُ إذا حضرته الوفاةُ، قعدَ عنده أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - ، فقالوا: انظر لنفسك؛ فإن ولدك لا يغنون عنك من الله شيئًا، فيقدم جُلَّ ماله، ويحجُبُ ولدَه، وهذا قبل أن تكونَ الوصيةُ في الثلث، فكرهَ اللهُ ذلك منهم، فأنزل: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا} .
فإن قلتم: إذا كان الخطابُ مع حاضري الموصي، والنهيُ لهم، فمقتضى هذا أن الموصيَ إذا جاوزَ الثلثَ بوصيته لا إثم عليه؛ لأن النهي لم يواجهه، وإن وصيته صحيحة؛ إذ لو لم يصحَّ لما حذر الحاضرين من ذلك.
قلنا: إذا فعل ذلكَ، فهو مأثومٌ، ووصيتُه غيرُ صحيحة؛ لبيان النبي - صلى الله عليه وسلم - .