قال ابن عباسٍ في رواية الوالبي: إن أوسَ بنَ ثابتٍ الأنصاريَّ تُوفي وتركَ ثلاثَ بناتٍ وامرأةً يقال لها أم كُجَّة، فقام رجلان من بني عمه، فأخذا المالَ ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئًا، فجاءت أُمُّ كُجَّةَ إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وذكرت له ذلك، فنزلت هذه الآية.
ويروى: أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال:"لا تُفَرِّقا مالَهُ حَتَّى يَنْزِلَ بَيانُ النَّصيب"، فنزل: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ} .
65 - (6) قوله تعالى: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 8] .
* لمَّا أمرنا اللهُ سبحانه برزق ذَوي القربى واليتامى والمساكين إذا حضروا القسمةَ رزقًا غيرَ مقدَّرٍ، اختلف العلماء في العملِ بهذه الآيةِ والجوابِ عنها، وتشعبت بهم الطرقُ:
1 -فقال قوم: هي منسوخة، واختلفوا في الناسخ لها:
-فقيل: إنها منسوخةٌ بآية المواريث.
وقيل: نسختها آيةُ المواريثِ والوصية، ويروى عن ابنِ عباسٍ، وعطاءٍ، والضَّحَّاكِ، والسُّدِّيِّ، وعكرمةَ، وابنِ المسيِّب.
-وقيل: نسختها آية الزكاةُ، ويروى عن الحسنِ.
والقولُ بالنسخ ضعيفٌ؛ لعدم العلم بتقدم هذه الآية على الناسخ الذي ذكروه، وتقدمُه في الترتيبِ لا يوجبُ تقدمَه في التنزيل، ولعدمِ المعارضَةِ بينهما وبين الناسخ الذي ذكروه، نعم إن ثبت النسخُ بنقلٍ عن الشارع - صلى الله عليه وسلم - ، فحينئذ يعلم أن الأمرَ على الوجوب، وأنه قد استقرَّ حكمُه حتى ورد عليه ما نسخه.
2 -وقال جمهورُهم؛ كعائشةَ وأبي موسى: هي محكَمَةٌ غيرُ منسوخة.
وهو الصحيحُ في النقل عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
روينا في"صحيح البخاري"عن عكرمةَ عن ابنِ عباس قال: هي محكمةٌ وليست بمنسوخة، وتابعه سعيدٌ عن ابنِ عباسٍ.
ثم اختلف هؤلاءِ:
-فذهب قومٌ إلى التأويل: عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أنه قال: هي مخاطبة للمُوصي يقسم وصيته بيده على الندب والترغيب في ذلك.
-وتركه قومٌ على ظاهره.
ثم اختلف هؤلاء أيضًا:
فحمله قومٌ على الوجوب بظاهرِ الأمرِ، فقالوا: تجب الصلةُ بما طابتْ به أنفسُ الورثةِ عند القسمة، وروي عن مجاهدٍ، والحسنِ، والزهري.
وروي أن ابن عُلَيَّةَ نُصِّبَ وصياً ليتيم، فذبح لمن حضره شاةً، وقال: لولا هذه، لكانت في مالي.