روينا في"الصحيحين"عن سعد بن أبي وَقّاصٍ قال: جاءني رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يعودُني عامَ حجةِ الوداع من وَجَعٍ اشتدَّ بي، فقلت: يا رسول الله! قد بلغَ بي من الوجَعِ ما ترى، وأنا ذو مالٍ، ولا يرثنُي إلا ابنةٌ، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال:"لا"قلت: فالشطر يا رسول الله؟ فقال:"لا"، قلت: فالثلث؟ قال:"الثُّلُثُ، والثلُثُ كثير، إنكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِياءَ خير مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عاَلة يَتكفَّفُونَ النَّاسَ".
والنهي يقتضي التحريمَ والفسادَ على قولِ أكثرِ الأصوليين، ولأنه - صلى الله عليه وسلم - لما بلغ الثلث، وأجازه مع استكثاره له وكراهته الوصية به، ومحبته لِما هو دونه؛ حيث قال:"الثلثُ، والثلثُ كثيرٌ، إنك أن تذرَ ورثتكَ أغنياءَ خيرٌ من أن تذرهم عالَه يتكففُونَ الناسَ"، دلَّ ذلك على أنه محلُّ الجَواز، وأن ما فوقه غيرُ مَحَل للجواز، ولأنه روي عن ابنِ عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أن الخطابَ واردٌ مع الموصي أيضًا.
فإن قلتم: هذا الحكمُ قيده الله سبحانه بوصفين، فما الحكمُ لو لم يترك ذريةً، أو ترك ذريةً بالِغينَ غيرَ ضعفاءَ؟
فالجواب:
* أنه اختلفَ أهلُ العلم فيما إذا لم يتركْ ورثةً:
فمنعه مالكٌ، والشافعيُّ، وأهلُ المدينة، والأوزاعيُّ، وأحمدُ في أحد قوليه.
وجوّزَه أبو حنيفةَ، وإسحاقُ، وأحمدُ في قوله الآخر.
وروي عن عبد اللهِ بن مسعود رضي الله تعالى عنه.
ويدلُّ لهؤلاء المفهومُ من الآيةِ والحديث؛ لذكر الذريةِ والورثةِ فيهما.
ومُخالِفُهُ لا يسلِّم أنَّه مفهومٌ مخالفٌ للنطق، بل يقول: هو مسكوتٌ عنه، موافقٌ للمنطوقِ به بالنظرِ والقياس؛ لأنَّ المسلمينَ ورثتُه، وفيهم الأيتامُ والضعفاءُ، فلا يجوزُ له الحَيْفُ عليهم، والتخصيصُ بأحدهم.
وأما إذا كان ورثتُه بالغينَ غيرَ ضعفاء، فقد اتفق أهلُ العلم على منعه أيضًا كالضعفاء؛ لحديث سعدٍ - رضي الله تعالى عنه - .
وذكرُ الضعفِ جاءَ على سبيل الترقيقِ لقلوبِهم، والتلطفِ بهم في تركِ الحَيْفِ؛ بدليل المخاطبةِ بالذريَّةِ، والذريَّةُ وسائرُ الورثةِ في ذلكَ سواءٌ؛ لحديثِ سعدٍ، ولأجلِ الاتفاقِ على مَنعْ الحَيْف.
قال الشيخُ أبو حامد الإسفرايينيُّ من الشافعية: لا تَصِحُّ الوصيةُ بما زادَ على الثلث، قولًا واحدًا، فإن أجازه الورثةُ، فهل يكونُ ذلك تنفيذًا لما فعله المُوصي، أو ابتداءَ عطية من الورثة؟ على قولين.