الجاهلية، وفي أول الإسلام من أنه كان للرجل أن يتزوج ما شاء له من الحرائر فقصرتهم الآية على أربع، فلا يجوز الجمع بين أكثر من أربع لظاهر هذه الآية، وقد ذهب قوم لا يعبأ بخلافهم إلى أنه يجوز الجمع بين تسع. واحتجوا بأن معنى قوله تعالى: {مثنى وثلاث ورباع} يفيد الجمع بين العدد، بدليل أنه عليه الصلاة والسلام مات عن تسع، ولنا فيه أسوة حسنة. وقال قوم أيضًا، لا يعد خلافهم: يجوز أي عدد كان قليلًا أو كثيرًا، وقالوا: إن معنى الآية أن ينكح اثنتين وثلاثًا وأربعًا إلى ما كان من العدد، واستغنى بذكر بعض الأعداد عن استقصائها، وهذا كما تقول: قرأت: (( أ، ب ) ). . . تريد جميع حروف أبجد، ولكن تقتصر على بعضها، وهذا في كلام العرب كثير. وحجة أهل القول الأول أن أهل التفسير اتفقوا في تأويل هذه الآية على أنه أراد التخيير بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل بين الأعداد الثلاثة لا الجمع. ووجهه أنه لو أراد الجمع بين تسع لم يعدل عن ذلك اللفظ المختصر غير الموهم، وهو تسع، إلى لفظ غير مختصر موهم وهو مثنى ثلاث ورباع، فلما كان ذلك علمان أن المعنى مثنى مثنى، وثلاث ثلاث، ورباع رباع؛ فإن التخيير كقوله: {أولي أجنحة} مثنى وثلاث
ورباع. وأما احتجاجهم بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه كان مخصوصًا بذلك كام خص بأن ينكح بغير صداق وأن لا تنكح أزواجه من بعده. وقد روي أن غيلان بن سلمة أسلم عن عشر نسوة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (( اختر منهن أربعة وفارق سائرهن ) ).
وأما قول من أجاز الجمع بين القليل والكثير، فقول ظاهر الفساد في العربية وترده الآثار، ولولا أن بعض أهل الخلاف ذكر هذين القولين لأعرضت عن ذكرهما، واختلفوا في العبد هل له أن يتزوج أربعًا أم ليس له أن يتزوج إلا اثنتين، فقال أهل الظاهر وجماعة معهم: إن للعبد أن يتزوج أربعًا. وقال أبو حنيفة والشافعي: لا يتزوج إلا اثنتين. وعن مالك في ذلك روايتان. ودليل إجازة ذلك قوله: {فانحكوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع} ، فعم واختلف هل للحر أن يتزوج أربع مملوكات إذا خشي العنة أم لا؟