قلت وأنا أقرأ هذا التعليق: رحم الله ابن حزم! ورحمنا الله إن كانت
حياتنا عَقُمت ، فليس لها أن تعرف من الإعجاز ، غير ما قاله قائل منذ عشرة
قرون!
ونبدأ نحن من حيث انتهى السلف ، وتراثهم بين أيدينا علامات على
الطريق ، لا نغض من قيمته ولا نحط من أقدار أهله ، وإنما نرى فِي كل منهم
جهد عصر ومستوى بيئة ، وحتمية تقدم وسنة حياة .
ونمض ونترك للأجيال بعدنا ما نترك ، والباب مفتوح أبداً ليس لأحد أن
يدعى أنه أغلقه ، والمجال رحب يتلقى كل حين جديدا لن يلبث أن يصير من
القديم ، دون أن تسلم الحياة بأن أحدا قال الكلمة الأخيرة فيه .
لقد قالها الجاحظ من قديم وهو يقدم كتابه (نظم القرآن) إلى الفتح
ابن خاقان ، وقالها الباقلاني من بعده ، والجرجاني وابن حزم والرازي والعلوى
والبقاعي ... فما لبث الزمن أن نسخ ما قالوا .
وكذلك قالها الرافعى فِي كتابه الذي بدا لسعد زغلول كأنه تنزيل من
التنزيل"وأوجب يعقوب صروف"على كل مسلم عنده نسخة من القرآن ، أن يقتنى نسخة منه"."
فما مضت أعوام حتى جاء من لم ير كتابا ظهر فِي الإعجاز بعد كتاب
الباقلاني من القرن الرابع للهجرة!
فإن تكن الخصومة المذهية والفكرية فيما مضى ، قد وضعت قضية الإعجاز
في دوامة الصراع المذهبي والجدل الكلامى والعداوة الشخصية ، فإنا نعود بعد هذا كله فنقول ما قلناه فِي مستهل هذا المدخل:
لعل من إعجاز القرآن أن تظل الأجيال تتوارد عليه جيلا بعد جيل ، وهو
رحب المدى سخى المورد ، كلما حسب جيل أنه بلغ منه مبلغاً ، امتد الأفق
بعيدا وراء كل مطمح وفوق كل طاقة ...
ومع إدراكي أن الإعجاز البياني للقرآن يفوت كل محاولة وجهد ، أتقدم في
خشوع إلى الميدان الجليل فأضع إلى جانب محاولات السلف الصالح ، ما هدى
إليه عكوفي الطويل على تدبر كلمات الله ، من وجهٍ فِي هذا الإعجاز: