"على إنك ترى أصحابنا العلماء لا يتحاملون على شيء ، ما يتحاملون على"
القرآن الكريم . فهم يخصونه بمكاره العلم كله ويجفون عنه أشد جفاء ، لكنهم وإياه فِي غرورهم وأوهامهم لكالطيارات غرها أن تصعد فِي الجو فمضت حاشدة فِي حملة حربية إلى فلك الشمس . .
وأعتذر عن هذه الإطالة فِي نقل فقرات من مقدمة السيد الرافعى لكتابه
(الإعجاز) فعباراته فيها تعكس صدى رأى علماء جيله فِي هذا الكتاب ، بقدر
ما تكشف لنا عن طريقته فِي النظر والتناول ، ومنطقه فِي البرهنة والاحتجاج
وأسلويه فِي المناقشة والجدل . .
فبمثل هذا التدفق جرى قلمه فِي موضوع الإعجاز . وبمثل هذه الطواعية
الخطابية صال وجال فِي الميدان كمن يقول ، كم ترك الأول للآخر!
واستراح حيث ظن أنه ألقم الأوائل والآواخر حجراً ، وقال: (فى غير
الجهات التي كتب فيها كل من قبله"!"
ثم لم يلبث أن صار هو من الأول الذي ترك لنا ما ترك .
لم تمض أعوام على ظهور كتابه فِي الإعجاز ، حتى بدا الميدان لمن بعده خاليا
أو يكاد ، فرأى الدكتور عبد العليم أن ينشر فِي الهند كتاب الباقلاني في
(إعجاز القرآن) فِي الوقت الذي رأى فيه الزميل السيد أحمد صقر أن ينشر
الكتاب نفسه فِي مصر ، لأنه فِي تقديره"أعظم كتاب ألف فِي الإعجاز إلى"
اليوم"."
وهو رأى لم يسلم به الدارسون من قدامى ومحدثين ، وينقل الزميل في
مقدمته لإعجاز الباقلاني ، أن بعض المتعصبين كرهوا نشر الكتاب ،
قال:"حدثى من أثق بصحة حديثه أن دارا للنشر والطبع استشارت كبيرا منهم فِي طبع هذا الكتاب بتحقيقي ، فكتب إليها بخط يده يقول: (أنا لا أنصح بطبع كتاب إعجاز القرآن للباقلاني ، لأنه ليس أنفسَ كتاب فِي موضوعه) ."
ولما لقيت كاتب هذا التقرير العجيب قذفت سامعتيه بهذا التحدى: دلنى على كتاب واحد فِي إعجاز القرآن تربو قيمته على كتاب الباقلاني .
فأبلس ولم يحر جوابا""