وأما قوله تعالى: {مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [سورة يوسف: 31] فيحتمل التبيين والتأكيد؛ أما التبيين فلأنه يمتنع أن يخرج من جنس البشر ولا يدخل في جنس آخر؛ فإثبات المَلَكية له تبيين لذلك الجنس وتعيين. وأما التأكيد؛ فلأنه إذا
كان ملكا لم يكن بشرا، ولأنه إذا قيل في العرف لإنسان:"ما هذا بشرا"حال تعظيم له وتعجب مما يشاهد منه من حسن خَلق أو خُلُق، كان الغرض أنه مَلَك بطريق الكناية.
فإن قيل: هلَّا نزلتم الثانية منزلة الكل من متبوعه في بعض الصور، ومنزلة النعت من متبوعه في بعض؟
قلنا: لأن بدل الكل لا ينفصل عن التأكيد إلا بأن لفظه غير لفظ متبوعه، وأنه مقصود بالنسبة دون متبوعه، بخلاف التأكيد، والنعت لا ينفصل عن عطف البيان إلا بأنه يدل على بعض أحوال متبوعه؛ لا عليه، وعطف البيان بالعكس، وهذه كلها اعتبارات لا يتحقق شيء منها فيما نحن بصدده.
الثالث: شبه كمال الانقطاع
وأما كون الثانية بمنزلة المنقطعة عن الأولى؛ فلكون عطفها عليها موهما لعطفها على غيرها، ويسمى الفصل لذلك قطعا، مثاله قول الشاعر"من الكامل":
وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلا أُراها في الضلال تَهِيم
لم يعطف"أراها"على"تظن"؛ لئلا يتوهم السامع أنه معطوف على"أبغي"؛
لقربه منه، مع أنه ليس بمراد، ويَحتمل الاستئناف.
وقسَّم السكاكي القطع إلى قسمين: أحدهما القطع للاحتياط؛ وهو ما لم يكن لمانع من العطف؛ كما في هذا البيت. والثاني: القطع للوجوب، وهو ما كان لمانع، ومثّله بقوله تعالى: {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} [سورة البقرة: 15] قال: لأنه لو عُطف لعُطف إما على جملة {قَالُوا} وإما على جملة {إِنَّا مَعَكُمْ} ، وكلاهما لا يصح لما مر. وكذا قوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ} , وقوله: {أَلا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ} [سورة البقرة:، 13] ، وفيه نظر؛ لجواز أن يكون المقطوع في المواضع الثلاثة معطوفا على الجملة المصدرة بالظرف وهذا القسم لم يبين امتناعه.
الرابع: شبه كمال الاتصال:
وأما كونها بمنزلة المتصلة بها؛ فلكونها جوابا عن سؤال اقتضته الأولى؛ فتنزل منزلته، فتُفصَل الثانية عنها كما يفصل الجواب عن السؤال.
وقال السكاكي: فينزل ذلك منزلة الواقع.