الثاني: أن تكون الثانية بدلا من الأولى، والمقتضي للإبدال كون الأولى غير وافية بتمام المراد، بخلاف الثانية، والمقام يقتضي اعتناء بشأنه لنكتة؛ ككونه مطلوبا في نفسه أو فظيعا أو عجيبا أو لطيفا، وهو ضربان:
أحدهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل البعض من متبوعه؛ كقوله تعالى: {وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ، أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} [سورة الشعراء: 132 - 134] فإنه مسوق للتنبيه على نعم الله تعالى عند المخاطَبين، وقوله: {أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ، وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ} أوفى بتأديته مما قبله؛ لدلالته عليها بالتفصيل من غير إحالة على علمهم مع كونهم معاندين، والإمداد بما ذكر من الأنعام وغيرها بعض الإمداد بما يعلمون ويحتمل الاستئناف.
وثانيهما: أن تنزل الثانية من الأولى منزلة بدل الاشتمال من متبوعه؛ كقوله تعالى: {اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ، اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} [سورة يس: 20، 21] فإن المراد به حمل المخاطبين على اتباع الرسل، وقوله تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ} أوفى بتأدية ذلك؛ لأن معناه: لا تخسرون معهم شيئا من دنياكم، وتربحون صحة دينكم، فينتظم لكم خير الدنيا وخير الآخرة.
وقول الشاعر"من الطويل":
أقول له: ارحل لا تُقيمنَّ عندنا ... وإلا فكن في السر والجهر مسلما
فإن المراد به كمال إظهار الكراهة؛ لإقامته بسبب خلاف سره العلن، وقوله:"لا تقيمن عندنا"أوفى بتأديته؛ لدلالته عليه بالمطابقة مع التأكيد، بخلاف"ارحل"ووزان الثانية من كل واحد من الآية والبيت وزان"حسنها"في قولك:"أعجبتني الدار حسنها"؛ لأن معناها مغاير لمعنى ما قبلها، وغير داخل فيه، مع ما بينهما من الملابسة.
الثالث: أن تكون الثانية بيانا للأولى، وذلك بأن تنزل منها منزلة عطف البيان من متبوعه، في إفادة الإيضاح، والمقتضي للتبيين أن يكون في الأولى نوع خفاء مع اقتضاء المقام إزالته؛ كقوله تعالى: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى} [سورة طه: 120] ؛ فصل جملة"قال"عما قبلها؛ لكونها تفسيرا له وتبيينا. ووزانه وزان"عمر"في قوله"من الرجز":
أقسم بالله أبو حفص عمر