فالجواب: أن القوم كانوا مُسَاعدين على نَفْي سائر الشُّركاءِ، وإنما في هذه الصورة المعينة، فلما ثبت بالدليل أن هذه الأشْياءَ ليست أرْبَاباً، وثبت بالاتفاق نَفْيُ غيرها، لا جرم حصل الجَزْمُ بنفي الشركاء.
{وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَيْنَا ... (84) }
«فَإِنْ قِيلَ» : لم لِمَ يذكر إسماعيل - عليه الصَّلاة والسَّلام - مع إسحاق، بل أخَّرَ ذِكْرَهُ [عنه] بدرَجَاتٍ؟
فالجوابُ: أن المقصود بالذِّكْرِ هاهنا أنبياء بين إٍسرائيل، وهم بِأسْرِهِمْ أولاد إسحاق.
وأمَّا إسماعيلُ فإنه لم يخرج من صُلْبِهِ نَبِيُّ إلاَّ محمدٌ عليه الصَّلاة والسَّلام، [ولا يجوز ذكر محمد - عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام ُ - في هذا المقام؛ لأنه تعالى أمر محمداً] أن يحتجَّ على العربِ في نفي الشِّرْكِ باللَّهِ بأنَّ إبراهيم لمَّا تركَ الشرك وأصَرَّ على التَّوحيدِ رَزَقَهُ اللَّهُ النِّعَمَ العظيمة في الدنيا بأن آتاه أوْلاداً كانوا أنبياء ومُلُوكاً، فإذا كان المحتج بهذه الحُجَّةِ هو محمد - عليه الصَّلاة والسَّلامُ - امتنع أن يذكر في هذا المعرض.
فلهذا السبب لم يذكر إسماعيل مع إسحاق.
قوله: {قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكتاب الذي جَآءَ بِهِ موسى نُوراً وَهُدًى لِّلنَّاس}
وصف الكتاب بصفتين:
أحدهما: قوله: «نوراً» وهو مَنْصُوبٌ على الحال، وفي صاحبها وجهان:
أحدهما: أنه «الهاء» في «به» ، فالعامل فيها «جاء» .
والثاني: أنه «الكتاب» ، فالعامل فيه «أنزل» ، و «للناس» صِفَةٌ ل «هدى» وسمَّاه «نوراً» تشبيهاً له بالنُّورِ الذي يبين به الطريق.
«فَإِنْ قِيلَ» : فعلى هذا لا يَبْقَى بَيْنَ كونه نوراً، وبين كونه هُدًى للناس فَرْقٌ، فعطف أحدهما على الآخر يوجب التَّغَايُرَ؟
فالجَوابُ: أن للنور صفتان:
أحدهما: كونه في نَفْسِه ظَاهراً جَليَّا.