قال شهابُ الدين: إنَّ الزمخشري إنَّما يريدٌ العَطْفَ ب «ثم» لتراخي ما بين الرتبتين، ولا يريدُ التَّرَاخي في الزَّمَانِ كما قد صَرَّحَ به هو، فكيف يلزمه ما ذكر من الخُلُوِّ عن الرابط؟
وكيفَ يتخيل كونها لِلمُهْلَة في الزمان كما قال أبو حيان.
{أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (6) }
«فَإِنْ قِيلَ» : ليس في هذا الكلام إلاَّ أن الإهلاك غير مختصّ بهم، بل الأنبياء والمؤمنون كلهم أيضاً قد هلكوا فكيف يحسنُ إيرادُ هذا الكلام في مَعْرضِ الزَّجْرِ عن الكُفْرِ مع أنه يشترك فيه الكَافِرُ والمؤمنُ؟
فالجَوابُ: ليس المقصود منه الزَّجْر بمجرد المَوْتِ، والهلاك، بل المُرَاد منه أنهم بَاعُوا الدَّينَ بالدنيا؛ فعوقبوا بسبب الامْتِنَاعِ عن الإيمان، وهذا المعنى مُشْتَرَكٍ بين الكافر والمؤمن.
«فَإِنْ قِيلَ» : كيف قال: «أوْلَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنَا» مع أنَّ القَوْمَ ماتوا مُقِرِّين بِصِدْقِ محمد صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ فيما يخبر به عنه، وأيضاً فهم لم يُشَاهدوا وقَائِعَ الأمم السَّالفة؟
فالجواب: أنَّ أقَاصِيصَ المتقدمين مشهورة بين الخلق فيبعد أن يقال إنهم ما سمعوا أخبارهم، ومجرد سماعها يكفي في الاعتبار.
«فَإِنْ قِيلَ» : أي فائدة في ذكر إنشاء قرن آخرين بعدهم؟
فالجواب: أن فائدته التَّنْبِيهُ أنَّه لا يَتَعَاظَمُهُ إهْلاكُهُمْ وإخْلاَءُ بلادهم منهم، فإنه قَادِرٌ على إنشاء آخرين مَكَانَهُمْ يُعِّمرُ بهم بلاده، كقوله: {وَلاَ يَخَافُ عُقْبَاهَا} [الشمس: 15] .
{الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (12) }
«فَإِنْ قِيلَ» : ظَاهِرُ اللَّفظِ يَدُلُّ على أنّ خُسْرَانهم سبب لعدم إيمانهم، والأمر على العكس؟