ودخلت الفاء جوابا للجزاء فكسرت (إنَّ) لأنها دخلت على ابتداء وخبر ، كأنك قلت: فهو غفور رحيم ، إلا أنَّ الكلام بـ إنَّ أوكَدُ .
ومن كسر الأولى فعلى ما ذكرنا من الحكاية ، وإذا فتح الثانية مع
كسر الأولى كان معناها المصدر ، والخبر محذوف ، المعنى: إنه من عمل
منكم كذا وكذا فمغفرة الله له .
ومن فتح الأولى وكسر الثانية فالمعنى راجع إلى المصدر ، كأنك لم
تذكر (إنَّ) الثانية ، المعنى: كتب ربكم على نفسه أنَه غفور رحيم .
وقوله جلَّ وعزَّ: (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ(55)
قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وحفص ويعقوب
(وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلُ) بالرفع ،
وقرأ نافع (وَلِتَسْتَبِينَ) بالتاء (سَبِيلَ) بالنصب ،
وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي (وَلِيَسْتَبِينَ) بالياء (سَبِيلُ) بالرفع .
قال أبو منصور: الاستبانة: أن تبينَ وَيتَبَين .
مَنْ قَرَأَ (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ) فمعناه: ولِتَبِين والفعل للسبيل ، وهي مؤنثة ،
كقوله: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي) .
وَمَنْ قَرَأَ (وَلِيَسْتَبِينَ سَبِيلُ) بالياء فإنه ذكرَ السبيل ، قال الله تعالى: (وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ) ، والسبِيل والطريق يذكران ويؤنثان .
وأما قراءة نافع (وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلَ) بالنصب فالمعنى:
وَلِتَسْتَبِينَ أنت يا محمد سبيلَ المجرمين يقال: تَبَينْتُ الأمر والسبيل ،
واستَبَنْتُهُ بمعنى واحد .
فإن قال قائل: أفلم يكن النبي مستبينا سبيل المجرمين ؟
فالجواب في هذا: أن جميع ما يخاطب به المؤمنون يخاطب به النبي - صلى الله عليه وسلم - فكأنه قيل: لتستبينوا سبيلَ المجرمين ، أي:
لتزدادُوا استبانة ، ولم يُحتَج إلى أن يقول: وَلِتَسْتَبِينَ سبيل المؤمنين ، مع ذكر سبيل المجرمين ، لأن سبيل المجرمين إذا بانت فقد بانت معها سبيل المؤمنين .