فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 121

فقال عمر رضي اللّه عنه: لكن اللّه يعرفهم، فقال: يا أمير المؤمنين! ورجل شرى نفسه، فقال مدرك بن عوف: ذاك واللّه خالي يا أمير المؤمنين، زعم الناس أنه ألقى بيده إلى الهلكة، فقال عمر: كذب أولئك، ولكنه ممن اشترى الآخرة بالدنيا.

وعن ابن عون عن محمد قال: جاءت كتيبة، من قبل المشرق، من كتائب الكفار، فلقيهم رجل من الأنصار، فحمل عليهم، فخرق الصف، حتى خرج، ثم كر راجعا، فصنع مثل ذلك مرتين أو ثلاثا، فإذا سعد بن هشام، يذكر ذلك لأبي هريرة، فتلا هذه الآية:"ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات اللّه"رواه ابن أبي شيبة.

فهؤلاء الصحابة أدخلوا المنغمس في العدو في هذه الآية وأنه ممن باع نفسه لله طلبا لمرضاته وقد ذكرهم الله عز وجل في هذه الآية على سبيل الثناء على فعلهم ودل هذا الفعل من الآية على أنه سبب لنيل رضا الله تعالى ونيل رحمته ورأفته فإنه ختم الآية بقوله"والله رؤوف بالعباد".

عن أسلم أبي عمران قال: غزونا من المدينة نريد القسطنطينية، وعلى الجماعة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد والروم ملصقوا ظهورهم بحائط المدينة، فحمل رجل على العدو، فقال الناس: مه مه، لا إله إلا الله، يلقي بيديه إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: إنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما نصر الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأظهر الإسلام، قلنا: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها، فأنزل الله تعالى"وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"فالإلقاء بالأيدي إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد، قال أبو عمران: فلم يزل أبو أيوب يجاهد في سبيل الله حتى دفن بالقسطنطينية"رواه أبو داود وصححه الألباني في الصحيحة."

وخرج الحاكم وابن أبي حاتم أيضا عن أبي اسحق عن البراء رضي اللّه عنه قال: قال له رجل: يا أبا عمارة! قوله تعالى:"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟ قال: لا، ولكنه الرجل يذنب الذنب، فيقول: لا يغفره اللّه لي، قال الحاكم: صحيح على شرطهما.

وروى ابن أبي شيبة بإسناد جيد كما قال ابن النحاس في المشارع عن مجاهد قال: إذا لقيت العدو فانهد، فإنما نزلت هذه الآية في النفقة " يقصد قوله تعالى"ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة"أي أن التهلكة هي ترك الإنفاق في سبيل الله."

ففي هذه الأدلة يتبين أن الانغماس في العدو إذا كان لمصلحة ليس من الإلقاء باليد إلى التهلكة المنهي عنها.

وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: غاب عمي أنس بن النضر، عن قتال بدر، فقال: يا رسول اللّه! غبت عن أول قتال قاتلت المشركين، لئن اللّه أشهدني قتال المشركين، ليرين اللّه ما أصنع، فلما كان يوم أحد، وانكشف المسلمون، فقال: اللهم أعتذر إليك، مما صنع هؤلاء يعني أصحابه وأبرأ إليك، مما صنع هؤلاء يعني المشركين ثم تقدم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ الجنة ورب النضر، إني أجد ريحها دون أحد، قال سعد: فما استطعت يا رسول اللّه ما صنع، قال أنس: فوجدنا به، بضعا وثمانين ضربة بالسيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، ووجدناه قد قتل، وقد مثل به المشركون، فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه، فقال أنس: كنا نرى أو نظن أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أشباهه من المؤمنين:"رجال صدقوا ما عاهدوا اللّه عليه"إلى آخر الآية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت