فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 121

والمقصود بتفضيله هنا هو تفضيله على سائر النوافل عندما لا يكون واجبا وجوبا عينيا، وعلى سائر فروض الكفايات، وأما عند يكون واجبا وجوبا عينيا فإنه يقدم على سائر الفرائض إذا لم يمكن الجمع بينهما إلا الصلاة، وبعض أهل العلم رجح إنه إذا لم يمكن الصلاة أثناء القتال فإنه يقدم القتال وتؤخر الصلاة حتى لو خرج وقتها حفظا لمصلحة الجهاد كما حصل يوم الخندق والله أعلم.

وقد اختلف أهل العلم في أفضل النوافل والتطوع، فبعضهم ذهب إلى أنه الجهاد، وبعضهم قال طلب العلم، وبعضهم قال الذكر، وغير ذلك، والأدلة السابقة تدل على أن الجهاد هو أفضل الأعمال مطلقا، وكذا ما ورد من أجور الجهاد وفضائله بما لم يرد في أي عبادة أخرى يدل على ذلك.

قال الفضل بن زياد سمعت أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - وذكر له الغزو فجعل يبكي ويقول:"ما من أعمال البر شيء أفضل منه"وقال عنه غيره"ليس يعدل لقاء العدو شيء، ومباشرة القتال بنفسه أفضل الأعمال، والذين يقاتلون العدو هم الذين يدفعون عن الإسلام وحريمهم، فأي عمل أفضل منه، الناس آمنون وهم خائفون، قد بذلوا مهج أنفسهم"ذكره صاحب المغني.

قال العز بن عبد السلام في كتابه أحكام الجهاد وفضائله"فإن أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله: الجهاد في سبيل الله، لما فيه من محق أعداء الله، وتطهير الأرض منهم، واستنقاذ أسرى المسلمين من أيديهم، وصون دماء المسلمين وأموالهم وحرمهم وأطفالهم، وارتفاق المسلمين بما منحه الله من أراضي الكفار وأموالهم، وإرقاق حرمهم وأطفالهم."

ولذلك عظم الله فيه أجر الطالب من المسلمين والمطلوب، والغالب والمغلوب، والقاتل والمقتول، وأحيا القتلى فيه بعد مماتهم، وعوضهم عن حياتهم التي بذلوها لأجله بحياة أبدية سرمدية، لا يصفها الواصفون، ولا يعرفها العارفون.

وكذلك لما فارقوا الأهل والأوطان، أسكنهم في جواره، وآنسهم بقربه، بدلا من أنس من فارقوه من أحبائهم لأجله، فطوبى لمن حصل على هذا الأجر الجزيل في جوار الرب الجليل.

وإنما يحصل ذلك لمن قاتل في سبيل الله لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى"انتهى."

قال شيخ الإسلام في أولياء الرحمن وأولياء الشيطان"وجهاد الكفار من أعظم الأعمال، بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان، قال الله تعالى:"لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما""انتهى.

خرج الخطيب في تاريخ بغداد وابن عساكر في تاريخ دمشق عن محمد بن الفضيل بن عياض قال: رأيت ابن المبارك في النوم فقلت: أي العمل وجدت أفضل؟ قال: الأمر الذي كنت فيه، قلت: الرباط والجهاد؟ قال: نعم، قلت: فما صنع بك ربك؟ قال: غفر لي مغفرة ما بعدها مغفرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت