ذلك أن سبب التأخير عن الجهاد الميل إلى سبب من أسباب الدنيا، فنبه هذا المتأخر أن هذا القدر اليسير من الجنة أفضل من جميع ما في الدنيا"انتهى."
قال العز بن عبد السلام في أحكام الجهاد وفضائله"إذا كانت الغدوة والروحة في سبيل الله خير من الدنيا وما فيها، فما الظن بمن واظب على ذلك الشهر والشهرين والسنة والسنتين؟"انتهى.
قال المناوي في فيض القدير"قال الأبي: الغدوة والروحة ذكرا للغالب، فكذا من خرج في منتصف النهار أو منتصف الليل، وليس المراد السير في البر بل البحر كذلك، وليس المراد السير من بلد الغازي بل الذهاب إلى الغزو من أي طريق كان حتى من محل القتال"انتهى.
قال العيني في عمدة القاري"وقال المهلب معنى قوله"خير من الدنيا"أن ثواب هذا الزمن القليل في الجنة خير من الدنيا كلها، وكذا قوله"لقاب قوس أحدكم"أي موضع سوط في الجنة، يريد ما صغر في الجنة من المواضع كلها من بساتينها وأرضها، فأخبر أن قصير الزمان وصغير المكان في الآخرة خير من طويل الزمان وكبير المكان في الدنيا، تزهيدا وتصغيرا لها، وترغيبا في الجهاد، إذ بهذا القليل يعطيه الله في الآخرة أفضل من الدنيا وما فيها، فما ظنك بمن أتعب فيه نفسه وأنفق ماله"انتهى.
قال في عمدة القاري"وقال القرطبي: أي الثواب الحاصل على مشية واحدة في الجهاد خير لصاحبه من الدنيا وما فيها لو جمعت له بحذافيرها، والظاهر أنه لا يختص ذلك بالغدو والرواح من بلدته بل يحصل هذا حتى بكل غدوة أو روحة في طريقه إلى الغد، وقال النووي وكذا غدوه ورواحه في موضع القتال، لأن الجميع يسمى غدوة وروحة في سبيل الله"انتهى.
قال ابن النحاس في المشارع"قوله في هذا الحديث وفي أمثاله:"خير من الدنيا وما عليها"قيل: إنه على ظاهره، وقيل: معناه أن هذه الطاعة خير من الدنيا وما عليها، لو قدر أن يملكها إنسان، وينفقها في طاعة الله تعالى، ذكره القاضي عياض في شرح مسلم، والشيخ محب الدين الطبري في فضائل العشرة وغيرهما ورجحه جماعة، لأن الدنيا وما عليها لا تزن عند الله جناح بعوضة، فكيف تقاس بشيء من الأجر الموجب للجنة، التي لا قيمة لأقل جزء منها، ولو قدر استواؤهما في القيمة والقدر - وهو محال - لكان العقل بالضرورة يقطع بأن ذرة مما يبقى أبدا خير من ملء الأرض مما يفنى، فالتفاضل بينهما إذا عار عن الفائدة، إلا أن يراد مقابلة الأجر الباقي بالأجر الباقي كما تقدم، وقال بعضهم: هو من باب تنزيل المغيب منزلة المحسوس المحقق، تحقيقا له وتثبيتا في النفوس، فإن ملك الدنيا ونعيمها ولذاتها محسوسة مستعظمة في طباع النفوس، فحقق عندها أن ثواب اليوم الواحد في الرباط - وهو من المغيبات - خير من المحسوسات التي عهدتموها من لذات الدنيا."
قال ابن دقيق العيد في شرح العمدة: وهذا عندي أوجه وأظهر يعني مما ذكره القاضي عياض، والله أعلم"انتهى."
قال المناوي في الفيض في شرح الأحاديث السابقة"فينبغي للمجاهد الاغتباط بغدوته وروحته أكثر مما يغتبط لو حصلت له الدنيا بحذافيرها نعيما محضا غير محاسب عليه لو تصور، والحاصل أن المراد تعظيم أمر الجهاد"انتهى.
فكل ذهاب يذهبه المجاهد ويجيء به فهو خير من الدنيا وما فيها.