قال العز بن عبد السلام في أحكام الجهاد وفضائله على هذه الآية"إنما شرفت النفقة في سبيل الله لأنها وسيلة إلى أفضل الأعمال بعد الإيمان وإذا كانت حسنة الوسيلة بسبع مائة فما الظن بحسنة الجهاد في سبيل الله؟"انتهى.
وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال:"سفرة - يعني غزوة - في سبيل الله أفضل من خمسين حجة"رواه ابن أبي شيبة، قال ابن النحاس في المشارع"وهذا حديث موقوف وأسانيده صحاح".
وعن عبد الرحمن بن غنم الأشعري رضي الله عنه قال"حجة قبل غزوة خير من عشر غزوات وغزوة بعد حجة خير من ثمانين حجة"رواه ابن المبارك ورجاله ثقات كما قال ابن النحاس، والمقصود بالحجة التي خير من عشر غزوات حجة الإسلام وحجة الفريضة فهو أفضل من الجهاد الذي هو نافلة، أما الجهاد العيني فإنه يقدم على الحج العيني.
عن الحسن بن محمد قال:"جاء الفتحيون سهيل بن عمرو، و الحارث بن هشام، وحويطب بن عبد العزى، يستأذنون على عمر رضي الله عنه فأخر في أذنهم، فقال الحارث دعي القوم ودعيتم فأبطأتم، فلما دخلوا على عمر رضي الله عنه قالوا: يا أمير المؤمنين! ما لنا عندك إلا ما نرى؟ قال: نعم، ليس إلا ما ترون، قالوا: فإنا نطلب ما هو أرفع من هذا، فغزوا في سبيل الله حتى ماتوا"رواه سعيد بن منصور في سننه.
فهؤلاء الصحابة الفتحيون هم الذين أسلموا في فتح مكة، وكان ذلك بعد ظهور الإسلام، ولم يكن لهم فضيلة السابقين الأولين للإسلام ومنزلتهم، فذهبوا يكملون النقص الذي حصل لهم بتأخر الإسلام ويجبرونه بالجهاد في سبيل الله، لأن أجوره عظيمة، وفضائله جسيمة، لعلهم يدركون به من سبقهم.
وكل ما سنتكلم عنه إن شاء الله من فضائل الجهاد العظيمة يشهد لهذا الأمر.
ولهذا كان الجهاد سببا عظيما وسريعا في رفعة الدرجات في الجنة كما سيأتي إن شاء الله بحيث لا يعظمه سبب في ذلك.
وقد كتب الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله إلى العابد الفضيل بن عياض الذي جاور بمكة، وكان يتعبد فيها، فقال:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ** لعلمت أنك في العبادة تلعب
من كان يخضب خدّه بدموعه ** فنحورنا بدمائنا تتخضّب
أو كان يتعب خيله في باطل ** فخيولنا يوم الصبيحة تتعب
ريح العبير لكم ونحن عبيرنا ** رهج السنابك والغبار الأطيب
ولقد أتانا من مقال نبيّنا ** قولّ صحيحّ صادقّ لا يكذب
لا يستوي وغبار خيل الله في ** أنف امرئ ودخان نار تلهب
هذا كتاب الله يحكم بيننا ** ليس الشهيد بميّت لا يكذب