وقال تعالى"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون * يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم * خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم".
فأخبر بعد ذكر فضلهم وما أعد لهم أن الله عنده أجر عظيم.
عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"انتدب الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا إيمان بي، وتصديق برسلي، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة، أو أدخله الجنة"رواه البخاري ومسلم.
قال السيوطي في حاشية النسائي"انتدب الله"أي سارع بثوابه وحسن جزائه، وقيل بمعنى أجاب إلى المراد، ففي الصحاح ندبت فلانا لكذا فانتدب أي أجاب إليه، وقيل معناه تكفل بالمطلوب، ويدل عليه رواية البخاري في باب الجهاد بلفظ"تكفل الله"وبلفظ"توكل الله""انتهى."
وهذه النصوص تدل على أن أجور الجهاد عظيمة، بل إن الجهاد أعظم الأعمال أجرا وفضلا، وما يوازيه من الأعمال الصالحة لا يستطاع عليه، كما جاء عن أبى هريرة رضي الله عنه قال: قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: ما يعدل الجهاد في سبيل الله عز وجل؟ قال:"لا تستطيعونه"قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثا، كل ذلك يقول"لا تستطيعونه"وقال في الثالثة"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله تعالى"رواه مسلم، وهذا في أقل أجور الجهاد كما سيأتي إن شاء الله، فكيف بأعظمه؟
ومن الأمثلة على أجور الجهاد العظيمة ما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: مر رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بشعب في عيينة من ماء عذبة، فأعجبته لطيبها، فقال: لو اعتزلت الناس، فأقمت في هذا الشعب، ولن أفعل حتى استأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال:"لا تفعل، فإن مقام أحدكم في سبيل الله أفضل من صلاته في بيته سبعين عاما، ألا تحبون أن يغفر الله لكم ويدخلكم الجنة؟ أغزو في سبيل الله، من قاتل في سبيل الله فواق ناقة وجبت له الجنة"رواه الترمذي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع.
قال القاري في المرقاة""فإن مقام أحدكم"بفتح الميم أي قيامه، وفي نسخة بضمها وهي الإقامة بمعنى ثبات أحدكم في سبيل الله أي بالاستمرار في القتال مع الكفار، خصوصا في خدمة سيد الأبرار،"أفضل من صلاته في بيته"يدل على أن طلبه كان مفضولا لا محرما"سبعين عاما"المراد به الكثرة لا التحديد، فلا ينافي ما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"مقام الرجل في الصف في سبيل الله أفضل عند الله من عبادة الرجل ستين سنة"رواه الحاكم عن عمران بن حصين وقال على شرط البخاري ورواه ابن عدي وابن عساكر عن أبي هريرة رضي الله عنهم ولفظه"قيام أحدكم"انتهى."
قال ابن النحاس في المشارع"يا هذا، ليت شعري من يقوم مقام هذا الصحابي في عزلته وعبادته وطيب مطعمه، ومع هذا فقد قال له النبي صلى الله عليه وسلم:"لا تفعل"وأرشده إلى الجهاد، فكيف لواحد منا أن يتركه مع أعمال لا يوثق بها مع قلتها، وخطايا لا ينجى معها لكثرتها، وجوارح لا تزال مطلقة فيما منعت منه، ونفوس جامحة إلا عما نهيت عنه، ومآكل حكم حلها عند رازقها، وخواطر علم أصلها عند خالقها، ونيات لا يتحقق إخلاصها، وتبعات لا يرجى بغير العناية خلاصها، ثم النظر في خواتم الأعمال، مجال الخطر وعظائم الأوجال، فالسعيد من وفقه اللّه للجهاد ويسره عليه، والشقي من جبن فغبن وظهر الخسران"