فهرس الكتاب

الصفحة 80 من 252

(والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم .. يوم يحمى عليها في نار جهنّم، فتكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، هذا ما كنزتم لأنفسكم، فذوقوا ما كنتم تكنزون)

يرد عليه معاوية قائلا: لقد أنزلت هذه الآية في أهل الكتاب.

ويصيح أبو ذر: لا بل أنزلت لنا ولهم.

ويتابع أبو ذر القول ناصحا معاوية ومن معه أن يخرجوا كل ما بأيديهم من ضياع وقصور وأموال .. وألا يدّخر أحدهم لنفسه أكثر من حاجات يومه.

وحين عرضت عليه الإمارة بالعراق فقال:

"لا والله .. لن تميلوا عليّ بدنياكم أبدا"

ورآه صاحبه يوما يلبس جلبابا قديما فسأله:

أليس لك ثوب غير هذا .. ؟! لقد رأيت معك منذ أيام ثوبين جديدين .. ؟

فأجابه أبو ذر:"يا بن أخي .. لقد أعطيتهما من هو أحوج إليهما مني"..

قال له: والله إنك لمحتاج إليهما!

فأجاب أبو ذر:

"اللهم اغفر .. إنك لمعظّم للدنيا، ألست ترى عليّ هذه البردة .. ؟ ولي أخرى لصلاة الجمعة، ولي عنزة أحلبها، وأتان أركبها، فأي نعمة أفضل مما نحن فيه".. ؟

ولقد بلغ الأمر بأبي ذر لى تجنّب اخوانه ان لم يكن مقاطعتهم، لأنهم ولوا الامارات، وصار لهم بطبيعة الحال ثراء وفرة ..

لقيه أبو موسى الأشعري يوما، فلم يكد يراه حتى فتح له ذراعيه وهو يصيح من الفرح بلقائه:"مرحبا أبا ذر .. مرحبا بأخي".

ولكن أبا ذر دفعه عنه وهو يقول:

"لست بأخيك، إنما كنت أخاك قبل أن تكون واليا وأميرا".. !

كذلك لقيه أبو هريرة يوما واحتضنه مرحّبا، ولكن أبا ذر نحّاه عنه بيده وقال له:

(إليك عني .. ألست الذي وليت الإمارة، فتطاولت في البنيان، واتخذت لك ماشية وزرعا) .. ؟

تلك كانت ومضات سريعة لبعض من الصحابة الأجلاء أردت أن أذكرها لنرى الفرق الشاسع بين رؤيتهم ورؤيتنا للدنيا والآخرة، فلعلنا نجد فيهم القدوة، وفي أنفسنا المقدرة لحسم هذه المعادلة قبل فوات الأوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تم بحمد الله كتاب (الدنيا) الجزء الأول من كتاب (الدور الأربعة بين الضيق والسعة)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت