وذلك لأنه أصل الأدلة , وكلُّها ترجع إليه , فهي إما تابعةٌ له، أو متفرِّعةٌ عنه [1] .
قال أبوبكر الجصاص [2] :"فما بيِّنه الرسولُ فهو عن الله عز وجل , وهو من تبيان الكتاب له؛ لأمر الله إيانا بطاعته , واتباع أمره , وما حصل عليه الإجماع فمصدره أيضًا عن الكتاب؛ لأن الكتاب قد دلَّ على صحة حُجِّيته الإجماع, وأنهم لا يجتمعون على ضلال , وما أوجبه القياس واجتهاد الرأي وسائر ضروب الاستدلال من الاستحسان وقبول خبر الواحد جميع ذلك من تبيان الكتاب؛ لأنه قد دلَّ على ذلك أجمع , فما من حُكْمٍ من أحكام الدِّين إلا وفي الكتاب تبيانه من الوجوه التي ذكرنا" [3] .
وقال الغزالي"إذا حقَّقنا النظر بان أن أصل الأحكام واحد، وهو قول الله تعالى؛ إذ قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ليس بحُكْمٍ ولا ملزم، بل هو مُخْبِرٌ عن الله تعالى أنه حَكَم بكذا وكذا , فالحُكْم لله تعالى وحده, والإجماع يدل على السُّنة، والسُّنَّة على حُكْم الله تعالى" [4] .
وقال الآمدي في سياق كلامه عن أنواع الأدلة:"وكلُّ واحدٍ من هذه الأنواع، فهو دليلٌ لظهور الحُكْم الشرعي عندنا به , والأصل فيها إنما هو الكتاب ; لأنه راجعٌ إلى قول الله تعالى المشرِّع للأحكام، والسُّنَّة مُخْبِرةٌ عن قوله تعالى وحُكْمِه، ومستندُ الإجماع فراجعٌ إليهما , وأما القياس والاستدلال فحاصله يرجع إلى التمسك بمعقول النصِّ أو الإجماع، فالنصُّ والإجماع أصل، والقياس والاستدلال فرعٌ تابعٌ لهما" [5] .
(1) ينظر: قواطع الأدلة (1/ 32) , شرح مختصر الروضة للطوفي (2/ 807) ، الموافقات (4/ 182) ، البحر المحيط للزركشي (1/ 441) ، التجيير شرح التحرير (3/ 1231) . .
(2) هو: أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصاص، من أهل الرأي، سكن بغداد ومات فيها، انتهت إليه رئاسة الحنفية في عصره، وخوطب ي أن يلي القضاء فامتنع، من مؤلفاته: أصول الفقه (ط) ، وأحكام القرآن (ط) ، توفي سنة (370 هـ) .
ينظر في ترجمته: الجواهر المضيئة (1/ 220) ، الفوائد البهية (28) ، الأعلام للزركلي (1/ 171) .
(3) أحكام القرآن: (3/ 246) .
(4) المستصفى: (2/ 2) .
(5) الإحكام: (1/ 212) .