الثاني: أن الله تعالى قضى بأن تنزل صلاة الكسوف في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم حين تظهر العقيدة، ويجرد التوحيد؛ ذلك أن صلاة الكسوف من العبادات العملية، وكثير منها تأخر تشريعها.
الثالث: إما أن يكون التخويف بالكسوف عامًا للمؤمنين والمشركين، وإما أن يكون خاصًا بالمؤمنين؛ لأنهم هم أهل الصلاة والعبادة:
فإن كان عامًا فمعلوم أن أهل مكة كانوا مستكبرين، وقد كذبوا النبي صلى الله عليه وسلم وهو بينهم، وحاربوا أتباعه، قال الله تعالى فيهم [وَإِذْ قَالُوا اللهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ] {الأنفال:32} ومن كان هذا دعاؤهم فلن تنفع فيهم آيات التخويف؛ ولذا قال الله تعالى فيهم [وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آَيَةٍ مِنْ آَيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ] {الأنعام:4} وقد حقّ عليهم العذاب لولا أن النبي صلى الله عليه وسلم لما خيّره ربه سبحانه فيهم اختار إمهالهم وقال: «بَلْ أَرْجُو أَنْ يُخْرِجَ الله من أَصْلَابِهِمْ من يَعْبُدُ الله وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شيئًا» ( [27] ( http://www.vb-khutabaa.com/newthread.php?do=newthread&f=3#_edn27 ) )
وإن كان خاصًا بالمؤمنين فالصواب أن حالهم في أول الإسلام كان أحسن من حالهم في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث الثبات والصبر على أذى المشركين، وضعف النصير من الناس، وقلة ذات اليد، والهجرتان إلى الحبشة ثم إلى المدينة؛ ولذلك أثنى الله تعالى على السابقين منهم، ومنزلة أهل بدر ليست كمنزلة من بعدهم، ومن جاهد قبل الفتح وأنفق ليس كمن جاهد بعده وأنفق. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما اتسعت الدنيا على أصحابه في آخر حياته بسبب الفتوح حذرهم من زينتها، وخافها عليهم، فيكون مسوغ التخويف في آخر حياة النبي صلى الله عليه وسلم أولى منه في أول الدعوة بهذا الاعتبار، ولا سيما أن الفتوح اتسعت بعد ذلك اتساعًا كبيرًا.
الجانب الثالث: قال الشيخ القرضاوي وفقه الله تعالى: وبهذا يتضح لنا أن ما شرعه الإسلام من صلاة ودعاء وذكر لله عند انكساف الشمس والقمر لا يعني بالضرورة أن الكسوف نتيجة لغضب من الله تعالى، وأن الصلاة لرفع هذا الغضب، وإن فُهم ذلك من كلام بعض العلماء ممن فسر هذه الظاهرة الكونية، حسبما انتهى إليها علمه في زمنه، ولكن أفهام العلماء - وخصوصًا في مثل هذه الأمور - ليست حجة على الدين، فالدين إنما يؤخذ من كتاب الله، وما بينه من سنة نبيه، وما عدا ذلك فكل واحد يؤخذ من كلامه ويترك. اهـ
والجواب عن ذلك من جهين:
الأول: دل القرآن على أن إرسال الآيات هو للتخويف، ودلت السنة على أن الكسوف من الآيات، والنتيجة: أن الكسوف من آيات التخويف، فوجب على من يدعو للكتاب والسنة محتجًا بهما في طرح كلام العلماء السابقين أن يأخذ بهما.
الثاني: أن نفي التخويف في الكسوف والخسوف لا يستند لا إلى الكتاب ولا إلى السنة، بل النصوص على خلافه، وإنما ألجأ إلى الوقوع فيه توهم أن انتظام الكسوف والخسوف، ومعرفة الفلكيين له تنافي التخويف به، وليس كذلك، وسيأتي بيان ذلك لاحقًا.
الجانب الرابع: قال الدكتور المسند حفظه الله تعالى: سادت بعض من المفاهيم الخاطئة ومنها:
أولًا: الاعتقاد بأنه ليس للكسوف والخسوف دورة ثابتة!
ثانيًا: الاعتقاد بأنه بالإمكان أن يحدث الكسوف في أي وقت من الشهر وأنه غير مرتبط بوقت الاستسرار!!، وأيضًا أن الخسوف ربما يقع في أي ليلة من الشهر وأنه غير مرتبط بليالي الإبدار!!.
ثالثًا: الاعتقاد بأن هناك علاقة ارتباطية بين حوادث الكسوف والخسوف من جهة والمعاصي والفتن من جهة أخرى!!.
والمشكلة تكمن في أن هذه المفاهيم الثلاثة تُربط بالشريعة!! وبصورة تُحمل النصوص مالا تحتمل، وتأصل مفاهيم غير صحيحة، وتنسب إلى الشريعة ما ليس منها وهي بريئة منها. اهـ
والجواب عن ذلك:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)