فهرس الكتاب

الصفحة 77 من 436

/وكان السلف يسمون أهل الدين والعلم [القراء] فيدخل فيهم العلماء والنساك، ثم حدث بعد ذلك اسم [الصوفية والفقراء] . واسم [الصوفية] هو نسبة إلى لباس الصوف؛ هذا هو الصحيح. وقد قيل: إنه نسبة إلى صفوة الفقهاء. وقيل: إلى صوفة بن أدّ بن طابخة قبيلة من العرب كانوا يعرفون بالنسك. وقيل: إلى أهل الصفة. وقيل: إلى الصفا. وقيل: إلى الصفوة. وقيل: إلى الصف المقدم بين يدى الله تعالى. وهذه أقوال ضعيفة؛ فإنه لوكان كذلك لقيل: صَفي أو صفائى أو صَفَوى أو صُفي، ولم يقل: صوفي.

وصار ـ أيضًا ـ اسم [الفقراء] يعنى به: أهل السلوك. وهذا عرف حادث. وقد تنازع الناس: أيما أفضل: مسمى [الصوفي] أو مسمى [الفقير] ؟ ويتنازعون ـ أيضًا ـ: أيما أفضل: الغنى الشاكر أو الفقير الصابر؟

وهذه المسألة فيها نزاع قديم بين الجنيد وبين أبي العباس بن عطاء. وقد روى عن أحمد بن حنبل فيها روأيتان، والصواب في هذا كله ما قاله الله ـ تبارك وتعالى ـ حيث قال: *يَا أيهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ * [الحجرات: 13] .

وفي الصحيح عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ عن النبي/ صلى الله عليه وسلم أنه سئل: أي الناس أفضل؟ قال: (أتقاهم) . قيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: (يوسف نبى الله ابن يعقوب نبى الله ابن إسحاق نبى الله ابن إبراهيم خليل الله) . فقيل له: ليس عن هذا نسألك. فقال: (عن معادن العرب تسألوني؟ الناس معادن كمعادن الذهب والفضة. خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا) .

فدل الكتاب والسنة أن أكرم الناس عند الله أتقاهم.

وفي السنن عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لا فضل لعربى على عجمى ولا لعجمى على عربى ولا لأسود على أبيض ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى. كلكم لآدم وآدم من تراب) .

وعنه ـ أيضًا ـ صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله تعالى أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء، الناس رجلان: مؤمن تقي، وفاجر شقي) .

فمن كان من هذه الأصناف أتقى لله فهو أكرم عند الله، وإذا استويا في التقى استويا في الدرجة

ولفظ [الفقر] في الشرع يراد به الفقر من المال، ويراد به فقر المخلوق إلى خالقه كما قال تعالى: *إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ * [التوبة: 60] ، / وقال تعالى: *يَا أيهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ * [فاطر: 15] . وقد مدح الله ـ تعالى ـ في القرآن صنفين من الفقراء: أهل الصدقات، وأهل الفيء، فقال في الصنف الأول: *لِلْفُقَرَاء الَّذِينَ أُحصِرُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاء مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا * [البقرة: 273] ، وقال في الصنف الثاني ـ وهم أفضل الصنفين ـ: *لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * [الحشر: 8] .

وهذه صفة المهاجرين الذين هجروا السيئات وجاهدوا أعداء الله باطنًا وظاهرًا. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله) .

أما الحديث الذي يرويه بعضهم أنه قال في غزوة تبوك: (رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر) فلا أصل له، ولم يروه أحد من أهل المعرفة بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وأفعاله، وجهاد الكفار من أعظم الأعمال؛ بل هو أفضل ما تطوع به الإنسان قال الله تعالى: *لاَّ يَسْتَوِي

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت