فهرس الكتاب

الصفحة 70 من 436

عنق هذا المنافق. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن اللّه قال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم) .

وفي هذا الحديث بيان أن اللّه يغفر لهؤلاء السابقين ـ كأهل بدر والحديبية ـ من الذنوب العظيمة، بفضل سابقتهم، وإيمانهم، وجهادهم، ما لا يجوز لأحد أن يعاقبهم بها، كما لم تجب معاقبة حاطب مما كان منه.

وهذا مما يستدل به على أن ما جرى بين على وطلحة والزبير ونحوهم، فإنه إما أن يكون اجتهادًا لا ذنب فيه، فلا كلام. فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر) .

وإن كان هناك ذنب، فقد ثبت أن هؤلاء ـ رضي اللّه عنهم، وغفر لهم ـ ما فعلوه؛ فلا يضرهم ما وقع منهم من الذنوب إن كان قد وقع ذنب، بل إن وقع من أحدهم ذنب كان اللّه محاه بسبب قد وقع، من الأسباب التي يُمَحِّصُ اللّه بها الذنوب، مثل أن يكون قد تاب فيتوب اللّه عليه، أو كان له حسنات تمحو السيئات، أو يكون قد كَفَّر عنه ببلاء ابتلاه به، فإنه قد ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (ما يصيب المؤمن من نَصَبٍ، ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ، ولا غَمٍّ، ولا حَزَن، ولا أذى، إلا كَفَّر اللّه من خطاياه) .

وأما من بعد هؤلاء السابقين الأولين، وهم الذين أسلموا بعد الحديبية، فهؤلاء دخلوا في قوله تعالى: *وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى * [الحديد: 10] ، وفي قوله تعالى: *وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ * [التوبة: 100] ، وقد أسلم قبل فتح مكة خالد ابن الوليد، وعمرو بن العاص، وعثمان بن طلحة الحَجَبي، وغيرهم. وأسلم بعد الطلقاء أهل الطائف وكانوا آخر الناس إسلامًا، وكان منهم عثمان بن أبي العاص الثقفي الذي أمره النبي صلى الله عليه وسلم على أهل الطائف، وكان من خيار الصحابة، مع تأخر إسلامه.

فقد يتأخر إسلام الرجل، ويكون أفضل من بعض من تقدمه بالإسلام، كما تأخر إسلام عمر، فإنه يقال: إنه أسلم تمام الأربعين، وكان ممن فضله اللّه على كثير ممن أسلم قبله، وكان عثمان، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف، أسلموا قبل عمر على يد أبي بكر، وتقدمهم عمر.

وأول من أسلم من الرجال الأحرار البالغين أبو بكر، ومن الأحرار الصبيان على، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن النساء خديجة أم المؤمنين، وهذا باتفاق أهل العلم.

وقد قال اللّه تعالى: *إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ * إلى قوله تعالى: *وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ * [الأنفال: 72 - 75] فهذه عامة، وقال تعالى:

*لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ * [الحشر: 8 - 10] .

فهذه الآية ـ والتي قبلها ـ تتناول من دخل فيها بعد السابقين الأولين إلى يوم القيامة؛ فكيف لا يدخل فيها أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، الذين آمنوا به وجاهدوا معه؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت