فهرس الكتاب

الصفحة 71 من 436

وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: (المهاجر من هجر ما نهى اللّه عنه) ، فمن كان قد أسلم من الطلقاء وهجر ما نهى اللّه عنه كان له معنى هذه الهجرة، فدخل في قوله تعالى: *وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنكُمْ * [الأنفال: 75] ، كما دخل في قوله تعالى: *وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى * [الحديد: 10] .

وقد قال تعالى: *مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا * [الفتح: 29] ، فهذا يتناول الذين آمنوا مع الرسول مطلقًا.

وقد استفاض عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحاح وغيرها من غير /وجه أنه قال: (خير القرونِ القرنُ الذي بعثت فيهم، ثم الذين يَلُونهم، ثم الذين يلونهم) .

وثبت عنه في الصحيح أنه كان بين عبد الرحمن وبين خالد كلام، فقال: (يا خالد، لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أحُدٍ ذَهَبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم، ولا نَصِيفَه) قال ذلك لخالد ونحوه، ممن أسلم بعد الحديبية، بالنسبة إلى السابقين الأولين. يقول: إذا أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصف مده.

وهؤلاء الذين أسلموا بعد الحديبية دخلوا في قوله تعالى: *لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى * [الحديد: 10] بهذه المنزلة.

وكيف يكون بعد أصحابه؟ والصحبة اسم جنس تقع على من صحب النبي صلى الله عليه وسلم قليلًا أو كثيرًا، لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك، فمن صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه مؤمنا، فله من الصحبة بقدر ذلك، كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب النبي صلى الله عليه وسلم؟) . وفي لفظ: (هل فيكم من رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من صحب من صحب رسول اللّه / صلى الله عليه وسلم؟ ـ وفي لفظ: هل فيكم من رأى من رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم، ثم يغزو فئام من الناس فيقولون: هل فيكم من رأى من رأى من رأى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ ـ وفي لفظ: من صحب من صحب من صحب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم؟ فيقولون: نعم، فيفتح لهم) وفي بعض الطرق فيذكر في الطبقة الرابعة كذلك.

فقد علق النبي صلى الله عليه وسلم الحكم بصحبته وعلق برؤيته، وجعل فتح اللّه على المسلمين بسبب من رآه مؤمنًا به.

وهذه الخاصية لا تثبت لأحد غير الصحابة؛ ولو كانت أعمالهم أكثر من أعمال الواحد من أصحابه صلى الله عليه وسلم.

فصل

فقد تبين أن آدم حج موسى لما قصد موسى أن يلوم من كان سببًا في مصيبتهم،

وبهذا جاء الكتاب والسنة، قال الله تعالى: *مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ * [التغابن: 11] ، وقال تعالى: *مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ * [الحديد: 22] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت