الله أكبر .. مقام الرجل في الصف استعدادًا للقتال الذي قد لا يستغرق ساعة أفضل عند الله تعالى من عبادة ما سواه ستين سنة .. إنه والله سبق كبير .. لا طاقة للقاعدين مهما أتوا من نشاط وقدرة على العبادة أن يبلغوا معشار مبلغه أو درجته .. !!
وعن أبي هريرة قال: قيل: يا رسول الله! ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال:"لا تستطيعونه". فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثًا، كل ذلك يقول:"لا تستطيعونه"ثم قال:"مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم القانتِ بآيات الله، لا يفتُرُ من صلاةٍ ولا صيامٍ حتى يرجع المجاهدُ في سبيل الله"متفق عليه.
وعن معاذ بن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: أن امرأة أتتْه فقالت: يا رسول
الله! انطلق زوجي غازيًا، وكنت أقتدي بصلاته إذا صلى، وبفعله كله، فأخبرني بعمل يُبلغني عمله حتى يرجع. قال لها:"أتستطيعين أن تقومي ولا تقعدي، وتصومي ولا تفطري، وتذكري الله تعالى ولا تفتُري حتى يرجع؟". قالت: ما أطيق هذا يا رسول الله! فقال:"والذي نفسي بيده لو طوِّقتِيه ما بلغت العُشر من عمله" [] .
قلت: والمرأة في المدينة .. وزوجها في الثغور خارج المدينة .. !
هذا غيض من فيض .. فيما صح من روايات في فضل ملازمة منازل الرباط والجهاد أردنا منه التمثيل والتذكير لا الاستقصاء .. إذ الاستقصاء قد يستغرق مجلدًا كبيرًا .. نرجو الله تعالى أن يعيننا على جمعه وإنجازه ـ خدمة للجهاد والمجاهدين ـ إنه تعالى على ما يشاء قدير.
ـ تنبيه: اعلم أن الأرض مهما شرفت فإنها لا تعظِّم ولا تُقدس ساكنيها من الناس .. وإنما الذي يقدس المرء .. ويجعله عظيمًا في الدنيا والآخرة هو عمله .. وجهاده في سبيل الله.
ولما دعا أبو الدرداء رضي الله عنه سلمان الفارسي رضي الله عنه للهجرة إلى الأرض المقدسة؛ وهي الشام، أجابه سلمان: إن الأرض المقدسة لا تقدِّسُ أحدًا، وإنما يُقدس الإنسان عمله.
وكذلك لما أرسل عبد الله بن المبارك رحمه الله بقصيدته الجميلة المعروفة للفضَيل بن عياض؛ حيث كان فضيل في مكة ملازمًا للحرم الشريف ـ الذي تعادل الصلاة فيه مائة ألف صلاة فيما سواه من المساجد ـ وكان ابن المبارك مرابطًا في الثغور في طرسوس .. ومما جاء في قصيدته، قوله:
يا عابد الحرمين لو أبصرتنا ... لعلمت أنك بالعبادة تلعبُ
من كان يخضِبُ جيدَهُ بدموعه .. فنحورنا بدمائنا تتخضَّبُ
أوْ كان يُتعِبُ خيلَهُ في باطلٍ .. فخيولنا يومَ الصبيحةِ تتعبُ
ريحُ العبير لكم ونحنُ عبيرُنا رهَجُ السنابكِ والغُبارُ الأطيبُ
ولقد أتانا من مقالِ نبينا ... قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ
لا يستوي وغُبار خيل الله في أنف امرئٍ ودُخانُ نارٍ تلهَبُ
هذا كتابُ الله ينطق بيننا ... ليس الشهيدُ بميتٍ لا يُكذَبُ
ولما ألقي بكتاب ابن المبارك إلى الفضيل وكان في الحرم، قرأه وبكى، ثم قال: صدق أبو عبد الرحمن ونصح [] .