فهرس الكتاب

الصفحة 340 من 436

تَعَالَى بِهَذَا أَحْكَامَ الدِّينِ بِلَا شَكٍّ، وَأَمَّا تَسَلُّطُ الدُّنْيَا بِالظُّلْمِ فَلَا، وَالرِّقُّ أَعْظَمُ السَّبِيلِ، وَقَدْ أَسْقَطَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ، وَنَسْأَلُ مَنْ بَاعَهُمَا عَلَيْهِ: لِمَ تَبِيعُهُمَا؟ أَهُمَا مَمْلُوكَانِ لَهُ أَمْ غَيْرُ مَمْلُوكَيْنِ؟ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهِمَا. فَإِنْ قَالَ: لَيْسَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ صَدَقَ - وَهُوَ قَوْلُنَا - وَإِذْ لَمْ يَكُونَا مَمْلُوكَيْنِ لَهُ فَهُمَا حُرَّانِ، وَإِنْ قَالَ: هُمَا مَمْلُوكَانِ لَهُ. قُلْنَا: فَلِمَ تُبْطِلُ مِلْكَهُ الَّذِي أَنْتَ تُصَحِّحُهُ بِلَا نَصٍّ وَلَا إجْمَاعٍ؟ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ إقْرَارِك لَهُمَا فِي مِلْكِهِ سَاعَةً، أَوْ سَاعَتَيْنِ، أَوْ يَوْمًا، أَوْ يَوْمَيْنِ، أَوْ جُمُعَةً، أَوْ جُمُعَتَيْنِ، أَوْ شَهْرًا، أَوْ شَهْرَيْنِ، أَوْ عَامًا، أَوْ عَامَيْنِ، أَوْ بَاقِيَ عُمُرِهَا، أَوْ عُمُرِهِ، وَكَيْفَ صَحَّ إقْرَارُك لَهُمَا فِي مِلْكِهِ مُدَّةَ تَعْرِيضِهِمَا لِلْبَيْعِ؟ وَلَمْ يَصِحَّ، وَلَمْ يَصِحَّ إبْقَاؤُهُمَا فِي مِلْكِهِ أَكْثَرَ، وَلَعَلَّهُمَا لَا يَسْتَبِيعَانِ فِي شَهْرٍ؛ أَوْ أَكْثَرَ، وَهَلَّا أَقْرَرْتُمُوهُمَا فِي مِلْكِهِ وَحُلْتُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمَا كَمَا فَعَلْتُمْ فِي الْمُدَبَّرِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُكَاتَبِ إذَا أَسْلَمُوا؟ وَلَئِنْ كَانَ يَجُوزُ إبْقَاؤُهُمْ فِي مِلْكِهِ إنَّ ذَلِكَ لَجَائِزٌ فِي الْعَبْدِ، وَلَئِنْ حَرُمَ إبْقَاءُ الْعَبْدِ فِي مِلْكِهِ لَيَحْرُمُ ذَلِكَ فِي أُمِّ الْوَلَدِ، وَالْمُدَبَّرِ، وَالْمُكَاتَبِ وَلَا فَرْقَ - وَهَذَا تَنَاقُضٌ ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ، وَقَوْلٌ فَاسِدٌ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَنَسْأَلُهُمْ أَيْضًا عَنْ كَافِرٍ اشْتَرَى عَبْدًا مُسْلِمًا، أَوْ أَمَةً مُسْلِمَةً، فَمِنْ قَوْلِهِمْ: إنَّهُمْ يَفْسَخُونَ ذَلِكَ الشِّرَاءَ. فَنَقُولُ لَهُمْ: وَلِمَ فَسَخْتُمُوهُ؟ وَهَلَّا بِعْتُمُوهُمَا عَلَيْهِ كَمَا تَفْعَلُونَ إذَا أَسْلَمَ فِي مِلْكِهِ؟ وَمَا الْفَرْقُ؟ فَإِنْ قَالُوا: لِأَنَّ هَذَا ابْتِدَاءُ تَمَلُّكٍ. قُلْنَا: نَعَمْ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَلَا يَخْلُو ابْتِيَاعُهُ لَهُمَا مِنْ أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءَ تَمَلُّكٍ لِمَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ، وَلَا سَبِيلَ إلَى ثَالِثٍ. فَإِنْ قَالُوا: بَلْ لِمَا لَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ. قُلْنَا: صَدَقْتُمْ، فَكَيْفَ أَحْلَلْتُمْ تَمَلُّكَهُ لَهُمَا مُدَّةَ تَعْرِيضِكُمْ إيَّاهُمَا لِلْبَيْعِ إذَا أَسْلَمَا فِي مِلْكِهِ؟ وَإِنْ قَالُوا: بَلْ لِمَا يَحِلُّ تَمَلُّكُهُ. قُلْنَا: فَلِمَ فَسَخْتُمْ ابْتِيَاعَهُ لِمَا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ؟ بَلْ لِمَ تَبِيعُونَ عَلَيْهِ مَا يَحِلُّ لَهُ تَمَلُّكُهُ؟ فَإِنْ قَالُوا: إنَّهُمَا كَانَا فِي مِلْكِهِ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَا فَلِمَ يَبْطُلُ مِلْكُهُ بِإِسْلَامِهِمَا. قُلْنَا: نَعَمْ، فَلِمَ بِعْتُمُوهُمَا عَلَيْهِ؟ وَهَذَا تَنَاقُضٌ فَاحِشٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ، وَقَوْلٌ بَاطِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ، وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ أَنَّهُمْ يُنْكِرُونَ مِثْلَ هَذَا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَعَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فَيَقُولُونَ فِي تَزَوُّجِهِ عليه السلام صَفِيَّةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقَهَا: لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا، أَوْ بَعْدَ عِتْقِهَا، فَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ عِتْقِهَا فَزَوَاجٌ الرَّجُلِ أَمَتَهُ لَا يَحِلُّ، وَإِنْ كَانَ تَزَوَّجَهَا بَعْدَ عِتْقِهَا، فَقَدْ مَضَى عِتْقُهَا فَأَيْنَ الصَّدَاقُ؟ وَقَالُوا مِثْلَ هَذَا فِي الْعِتْقِ بِالْقُرْعَةِ، وَفِي وُجُودِ الْمَرْءِ سِلْعَتَهُ عِنْدَ مُفْلِسٍ؛ وَكُلُّ هَذَا لَا يَدْخُلُ فِيهِ مَا أَدْخَلُوهُ فِيهِ مِنْ هَذِهِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْفَاسِدَةِ، ثُمَّ لَا يُنْكِرُونَ هَذَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ مَوْضِعُ الْإِنْكَارِ حَقًّا، لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ وَيَقْضُونَ بِرَايِهِمْ الْفَاسِدِ، وَهُوَ عليه السلام إنَّمَا يَتَكَلَّمُ وَيَقْضِي عَنْ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ *. فَإِنْ قَالُوا: نَبِيعُهُ عَلَى الْكَافِرِ كَمَا تَبِيعُونَ أَنْتُمْ عَبْدَ الْمُسْلِمِ وَأَمَتَهُ إذْ شَكَوْا الضَّرَرَ، وَفِي التَّفْلِيسِ. قُلْنَا لَهُمْ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: لَا نَبِيعُ عَبْدًا لِمُسْلِمٍ وَلَا أَمَتَهُ أَصْلًا إلَّا فِي حَقٍّ وَاجِبٍ لَازِمٍ لَا يُمْكِنُنَا التَّوَصُّلُ إلَيْهِ أَلْبَتَّةَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا بِبَيْعِهِمَا وَإِلَّا فَلَا، أَوَّلُ ذَلِكَ: أَنَّنَا لَا نَبِيعُهُمَا عَلَيْهِ إلَّا فِي دَيْنٍ لَزِمَهُ، أَوْ فِي نَفَقَةٍ لَزِمَتْهُ لِنَفْسِهِ أَوْ لِلْمَمْلُوكِ وَالْمَمْلُوكَةِ، أَوْ لِمَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ، أَوْ لِضَرَرٍ ثَابِتٍ؛ فَأَمَّا الْحَقُّ الْوَاجِبُ فَمَا دُمْنَا نَجِدُ لَهُ دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ لَمْ نَبِعْهُمَا عَلَيْهِ، فَإِنْ لَمْ نَجِدْ لَهُ غَيْرَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى أَدَاءِ ذَلِكَ الْحَقِّ إلَّا بِبَيْعِهِمَا فَهُمَا مَالٌ مِنْ مَالِهِ يُبَاعُ عِنْدَ ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ * وَمِنْ الْقِيَامِ بِالْقِسْطِ: إعْطَاءُ كُلِّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، وَصَوَّبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله تعالى عليه وآله وسلم هَذَا الْقَوْلَ، إذْ قَالَهُ سَلْمَانُ لِأَبِي الدَّرْدَاءِ رضي الله عنهما. وَأَمَّا الضَّرَرُ الثَّابِتُ فَإِنْ أَمْكَنَنَا مَنْعُ الضَّرَرِ بِأَنْ نَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَمَةِ، وَالْعَبْدِ، بِأَنْ يُؤَاجَرَا، أَوْ يُجْعَلَا عِنْدَ ثِقَةٍ يَمْنَعُ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهِمَا لَمْ نَبِعْهُمَا، فَإِذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى ذَلِكَ أَلْبَتَّةَ بِعْنَاهُمَا، لِأَنَّنَا لَا نَقْدِرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَالْإِثْمِ إلَّا بِذَلِكَ، وَقَالَ تَعَالَى: وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ *. فَإِنْ قَالُوا: كَذَلِكَ تَحَكُّمُ الْكَافِرِ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ عَبِيدِهِمْ ضَرَرٌ. قُلْنَا: فَإِنْ صَحَّ أَنَّهُ لَا ضَرَرَ عَلَى الْأَمَةِ وَالْعَبْدِ مِنْ سَيِّدِهِمَا الْكَافِرِ، أَوْ سَيِّدَتِهِمَا الْكَافِرَةِ؛ بَلْ هُمَا مُعْتَرِفَانِ بِالْإِحْسَانِ وَالرِّفْقِ جُمْلَةً، أَلَيْسَ قَدْ بَطَلَ تَعَلُّقُكُمْ بِالضَّرَرِ؟ هَذَا مَا لَا شَكَّ فِيهِ. فَإِنْ قَالُوا: نَخَافُ أَنْ يُفْسِدَا دِينَهُمَا بِطُولِ الصُّحْبَةِ. قُلْنَا: فَفَرِّقُوا بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ ابْنَيْهِمَا إذَا أَسْلَمَ خَوْفَ أَنْ يَفْسُدَ دِينُهُ، وَبِيعُوا عَبْدَ الْمُسْلِمِ الْفَاسِقِ وَأَمَتَهُ بِهَذَا الِاعْتِلَالِ، لِأَنَّهُ مَظْنُونٌ مِنْهُ تَدْرِيبُهُمَا عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَإِضَاعَةِ الصَّلَاةِ وَالظُّلْمِ، وَلَا فَرْقَ، وَهَذَا مَا لَا مُخَلِّصَ مِنْهُ أَصْلًا - وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. وقوله تعالى: إذَا جَاءَكُمْ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت