فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ * بُرْهَانٌ قَاطِعٌ فِي وُجُوبِ عِتْقِ أَمَةِ الذِّمِّيِّ، أَوْ الْحَرْبِيِّ إذَا أَسْلَمَتْ لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمَرَ أَنْ لَا نَرْجِعَهَا إلَى الْكُفَّارِ وَأَنَّهُنَّ لَا يَحْلِلْنَ لَهُمْ وَأَبَاحَ لَنَا نِكَاحَهُنَّ، وَهَذَا عُمُومٌ يُوجِبُ الْحُرِّيَّةَ ضَرُورَةً. فَإِنْ قِيلَ: قوله تعالى فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا * دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى أَرَادَ الزَّوْجَاتِ. قُلْنَا: الْآيَةُ كُلُّهَا عَامَّةٌ لِكُلِّ مُؤْمِنَةٍ هَاجَرَتْ بِالْإِيمَانِ لِتَدْخُلَ فِي جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا الْحُكْمُ فِي إيتَاءِ مَا أَنْفَقُوا خَاصٌّ فِي الزَّوْجَاتِ، وَلَا يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ سَائِرُ عُمُومِ الْآيَةِ خُصُوصًا، إذْ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ لُغَةٌ وَلَا شَرِيعَةٌ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَقَدْ صَحَّ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ خَرَجَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُسْلِمًا فَعَتَقَ. فَإِنْ قَالُوا: هَذَا حُكْمُ مَنْ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ. قُلْنَا: مَا الْفَرْقُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ مَنْ قَالَ: بَلْ هَذَا حُكْمُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الطَّائِفِ خَاصَّةً؟ وَهَلْ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ فَرْقٌ؟ ثُمَّ نَقُولُ لَهُمْ: وَمَا دَلِيلُكُمْ عَلَى هَذَا؟ وَإِنَّمَا جَاءَ مُسْلِمًا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ عَبْدٌ لِكَافِرٍ فَأَعْتَقَهُ، وَلَمْ يَقُلْ عليه السلام: إنِّي إنَّمَا أَعْتَقْته، لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ، فَمَنْ نَسَبَ هَذَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَدْ كَذَبَ عَلَيْهِ، وَقَالَ عَلَيْهِ بِلَا بُرْهَانٍ، وَأَنْتُمْ تَقِيسُونَ الْجِصَّ عَلَى التَّمْرِ، السَّقَمُونْيَا عَلَى الْبُرِّ، وَالْكَمُّونَ عَلَيْهِمَا بِلَا بُرْهَانٍ، وَفَرْجَ الْمُسْلِمَةِ الْمُتَزَوِّجَةِ عَلَى يَدِ السَّارِقِ، ثُمَّ تُفَرِّقُونَ بَيْنَ عَبْدٍ مُسْلِمٍ وَعَبْدٍ مُسْلِمٍ كِلَاهُمَا أَسْلَمَ فِي مِلْكِ كَافِرٍ، إنَّ هَذَا لَعِوَجٌ مَا شِئْتُمْ. فَإِنْ ذَكَرُوا أَمْرَ بِلَالٍ، وَسَلْمَانَ، رضي الله عنهما أَنَّ كِلَيْهِمَا أَسْلَمَ وَهُمَا مَمْلُوكَانِ لِوَثَنِيٍّ وَيَهُودِيٍّ؛ فَابْتَاعَ بِلَالًا أَبُو بَكْرٍ، وَكَاتَبَ سَلْمَانَ سَيِّدُهُ، فَلَوْ كَانَا حُرَّيْنِ بِنَفْسِ إسْلَامِهِمَا لَمَا كَانَ أَبُو بَكْرٍ مَالِكَ وَلَاءِ بِلَالٍ، وَلَا صَحِيحَ الْعِتْقِ فِيهِ؟ قُلْنَا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: أَمَّا أَمْرُ بِلَالٍ فَكَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ، وَقَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا بِبِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، لِأَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ فِي"سُورَةِ النِّسَاءِ"وَلَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ يَوْمَئِذٍ لَازِمَةً، وَلَا الزَّكَاةُ، وَلَا الصِّيَامُ، وَلَا الْحَجُّ، وَلَا الْمَوَارِيثُ، وَلَا كَانَ حَرَامًا نِكَاحُ الْوَثَنِيِّ الْمُسْلِمَةَ، وَلَا نِكَاحُ الْمُسْلِمِ الْوَثَنِيَّةَ، وَلَا مِلْكُ الْوَثَنِيِّ لِلْمُسْلِمِ، فَلَا حُجَّةَ فِي أَمْرِ بِلَالٍ. وَأَمَّا أَمْرُ سَلْمَانَ فَكَانَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ مَمْلُوكًا لِرَجُلٍ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ، وَهُمْ مُمْتَنِعُونَ لَا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَلْ هُمْ فِي حُصُونِهِمْ مَالِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ، وَكَانَ إسْلَامُ سَلْمَانَ رضي الله عنه بِلَا خِلَافٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ، وَهَلَاكُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَقَتْلُهُمْ، وَحِصَارُهُمْ، بَعْدَ الْخَنْدَقِ بِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ. وَمِنْ الْبُرْهَانِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّ مِلْكَ سَيِّدِهِ لَهُ بَطَلَ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ أَنَّهُ كَانَ مُكَاتَبًا لَهُ بِلَا شَكٍّ وَمَا انْتَمَى قَطُّ إلَى وَلَاءِ ذَلِكَ لْقُرَظِيِّ بَلْ انْتَمَى مَوْلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفِقٌ عَلَيْهِ مِنْ الْمُؤَالَفِ، وَالْمُخَالِفِ، وَالصَّالِحِ وَالطَّالِحِ؛ فَلَوْ كَانَ مِلْكُهُ لَهُ صَحِيحًا وَكِتَابَتُهُ لَهُ صَحِيحَةً بِحَقِّ الْمِلْكِ لَكَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ، وَلَوْ كَانَ وَلَاؤُهُ لَهُ لَمَا تَرَكَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَنْتَفِي عَنْ وَلَائِهِ - وَفِي هَذَا حُجَّةٌ لِمَنْ نَصَحَ نَفْسَهُ وَكِفَايَةٌ، وَكَيْف وَلَوْ لَمْ يَقُمْ هَذَا الْبُرْهَانُ لَمَا كَانَ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؟ لِأَنَّهُمْ لَا دَلِيلَ لَهُمْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَمَرَهُ بَعْدَ نُزُولِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ. وَبِهَذَا الْقَوْلِ يَقُولُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ - ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ شَعْبَانَ عَنْهُمْ أَنَّ عَبْدَ الذِّمِّيِّ سَاعَةَ يُسْلِمْ فَهُوَ حُرٌّ. وَقَالَ أَشْهَبُ: سَاعَةَ يُسْلِمُ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فَهُوَ حُرٌّ، خَرَجَ أَوْ لَمْ يَخْرُجْ. وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَتْ أُمُّ وَلَدِ الذِّمِّيِّ فَهِيَ حُرَّةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: إنْ أَسْلَمَ عَبْدُ الْحَرْبِيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِنْ بَاعَهُ أَوْ وَهَبَهُ مِنْ مُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ، أَوْ لِمُسْلِمٍ، أَوْ كَافِرٍ فَهُوَ حُرٌّ سَاعَةَ بَيْعِهِ أَوْ هِبَتِهِ، وَبَطَلَ الْبَيْعُ وَالْهِبَةُ. قَالَ: فَإِنْ اشْتَرَى الْحَرْبِيُّ عَبْدًا مُسْلِمًا فَهُوَ عَلَى مِلْكِهِ، فَإِذَا حَمَلَهُ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَسَاعَةَ دُخُولِهِ إلَى أَرْضِ الْحَرْبِ فَهُوَ حُرٌّ - فَهَلْ سُمِعَ بِأَوْحَشَ أَوْ أَفْحَشَ مِنْ هَذَا التَّخْلِيطِ؟ وَهِيَ أَقْوَالٌ لَا يُعْرَفُ أَنَّ أَحَدًا قَالَهَا قَبْلَهُ. وَأَمَّا مَالِكٌ: فَإِذَا أَعْتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ بِإِسْلَامِهَا، وَهِيَ أَمَةٌ لَهُ فَقَدْ نَاقَضَ، إذْ لَمْ يُعْتِقْ الْعَبْدَ وَالْأَمَةَ بِإِسْلَامِهِمَا، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ ذَلِكَ. رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا أَنَّهُ سَمِعَ سُلَيْمَانَ بْنَ مُوسَى يَقُولُ: لَا يَسْتَرِقُّ الْكَافِرُ الْمُسْلِمَ - وَهَذَا نَفْسُ قَوْلِنَا؛ لِأَنَّهُ أَبْطَلَ اسْتِرْقَاقَهُ إيَّاهُ جُمْلَةً. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: وَسُئِلَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ أُمِّ وَلَدِ النَّصْرَانِيِّ أَسْلَمَتْ؟ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: يُفَرِّقُ الْإِسْلَامُ بَيْنَهُمَا وَتَعْتِقُ. قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: لَا تَعْتِقُ حَتَّى يُدْعَى هُوَ إلَى الْإِسْلَامِ، فَإِنْ أَبَى عَتَقَتْ. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: كِلَاهُمَا قَدْ أَوْجَبَ عِتْقَهَا، وَلَا مَعْنَى لِتَأَنِّي عَرْضِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ.