فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 436

عليه وآله وسلم: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى *. فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ بِإِبْطَالِ الصَّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى مَا يُبْقِي غِنًى، وَإِذَا كَانَ الصَّدَقَةُ بِمَا أَبْقَى غِنًى خَيْرًا وَأَفْضَلَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِمَا لَا يُبْقِي غِنًى؛ فَبِالضَّرُورَةِ يَدْرِي كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ صَدَقَتَهُ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ لَا أَجْرَ لَهُ فِيهَا، بَلْ حَطَّتْ مِنْ أَجْرِهِ فَهِيَ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ، وَمَا تَيَقَّنَ أَنَّهُ يَحُطُّ مِنْ الْأَجْرِ، أَوْ لَا أَجْرَ فِيهِ مِنْ إعْطَاءِ الْمَالِ فَلَا يَحِلُّ إعْطَاؤُهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ إفْسَادٌ لِلْمَالِ وَإِضَاعَةٌ لَهُ وَسَرَفٌ حَرَامٌ، فَكَيْفَ وَرَدُّهُ عليه السلام الصَّدَقَةَ بِذَلِكَ بَيَانٌ كَافٍ؟ فَإِنْ ذَكَرُوا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ *. وَقَوْلَهُ عليه السلام إذْ سُئِلَ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: جَهْدُ الْمُقِلِّ *. وَقَوْلَهُ عليه السلام سَبَقَ دِرْهَمٌ مِائَةَ أَلْفٍ كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ تَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا *. وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ *. وَبِحَدِيثِي أَبِي مَسْعُودٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم يَامُرُنَا بِالصَّدَقَةِ؛ فَيَنْطَلِقُ أَحَدُنَا فَيَتَحَامَلُ فَيَجِيءُ بِالْمُدِّ، وَصَدَقَةِ أَبِي عَقِيلٍ بِصَاعِ تَمْرٍ * فَهَذَا كُلُّهُ صَحِيحٌ وَحُجَّةٌ لَنَا لَا لَهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ * فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُمْ لَمْ يُبْقُوا لِأَنْفُسِهِمْ مَعَاشًا، إنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا مُقِلِّينَ، وَيُؤْثِرُونَ مِنْ بَعْضِ قُوتِهِمْ. وَأَمَّا قوله تعالى: وَاَلَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ * فَمِثْلُ هَذَا أَيْضًا. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ"جَهْدُ الْمُقِلِّ"فَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذِهِ اللَّفْظَةُ الْمَوْصُولَةُ بِقَوْلِهِ عليه السلام: وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ * فَبَيَّنَ هَذَا الْقَوْلُ أَنَّهُ جَهْدُهُ بَعْدَ كَفَافِ مَنْ تَعُولُ. وَكَذَلِكَ حَدِيثَا أَبِي مَسْعُودٍ أَيْضًا، وَإِنَّمَا كَانَ لِرَجُلٍ دِرْهَمَانِ فَتَصَدَّقَ بِأَجْوَدِهِمَا، فَكَذَلِكَ أَيْضًا، وَقَدْ يَكُونُ لَهُ ضَيْعَةٌ أَوْ لَهُ غَلَّةٌ تَقُومُ بِهِ فَتَصَدَّقَ بِأَحَدِ دِرْهَمَيْنِ كَانَا لَهُ وَلَمْ يَقُلْ عليه السلام: إنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُهُمَا؟ فَإِنْ ذَكَرُوا صَدَقَةَ أَبِي بَكْرٍ بِمَا يَمْلِكُهُ؟ قُلْنَا: هَذَا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم بِالصَّدَقَةِ، فَوَافَقَ ذَلِكَ مَالًا عِنْدِي فَقُلْتُ: الْيَوْمَ أَسْبِقُ أَبَا بَكْرٍ إنْ سَبَقْتُهُ يَوْمًا قَالَ: فَجِئْتُ بِنِصْفِ مَالِي؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ؟ قُلْتُ: مِثْلَهُ، وَأَتَى أَبُو بَكْرٍ بِكُلِّ مَا عِنْدَهُ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: مَا أَبْقَيْت لِأَهْلِكَ؟ قَالَ: أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ *. قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ: ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ بِلَا شَكٍّ كَانَتْ لَهُ دَارٌ بِالْمَدِينَةِ مَعْرُوفَةٌ وَدَارٌ بِمَكَّةَ - وَأَيْضًا: فَإِنَّ مِثْلَ أَبِي بَكْرٍ لَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم لِيُضَيِّعَهُ فَكَانَ فِي غِنًى. فَصَحَّ بِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ مَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ مُجْمَلًا، أَوْ مُنَوَّعًا عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى، لَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ مِنْهُ إلَّا بِمَا أَبْقَى لِنَفْسِهِ، وَلِأَهْلِهِ غِنًى، كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَغَيْرَهُ. فَإِنْ ذَكَرُوا حَدِيثَ سَعْدٍ فِي الْوَصِيَّةِ؟ قُلْنَا: هُوَ عَلَيْكُمْ؛ لِأَنَّ أَمْرَ الْوَصِيَّةِ غَيْرُ أَمْرِ الصَّدَقَةِ الْمُنَفَّذَةِ فِي الْحَيَاةِ بِاتِّفَاقٍ مِنَّا وَمِنْكُمْ - وَأَيْضًا فَقَدْ مَنَعَهُ عليه السلام مِنْ الصَّدَقَةِ بِنِصْفِهِ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ هَذَا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ الثُّلُثِ؛ وَلَوْ تَرَكَ أَلْفَ أَلْفِ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرَ - وَيُرَدُّ مَا زَادَ عَلَى ذَلِكَ، وَأَنْتُمْ لَا تَقُولُونَ: بِرَدِّ مَا نَفَذَ مِنْ الصَّدَقَةِ بِأَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِهِ فِي حَيَاتِهِ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

1633 - مَسْأَلَةٌ: وَلَا تَنْفُذُ هِبَةٌ وَلَا صَدَقَةٌ لِأَحَدٍ إلَّا فِيمَا أَبْقَى لَهُ وَلِعِيَالِهِ غِنًى، فَإِنْ أَعْطَى مَا لَا يَبْقَى لِنَفْسِهِ وَعِيَالِهِ بَعْدَهُ غِنًى فُسِخَ كُلَّهُ.

بُرْهَانُ ذَلِكَ: مَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُسْلِمٍ نا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ نا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ نَبِيُّكُمْ صلى الله عليه وسلم: كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ *. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ سَوَادٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَا يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ نا سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَا بِمَنْ تَعُولُ *. وَرُوِّينَا مَعْنَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَمِنْ طَرِيقِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ أَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ نا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ نا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ سَمِعْتُ مُوسَى بْنَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَنَّ حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ حَدَّثَهُ"أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم قَالَ: أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى *. فَإِذًا كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَفْضَلُ الصَّدَقَةِ وَخَيْرُهَا مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى، فَبِلَا شَكٍّ وَبِالضَّرُورَةِ: أَنَّ مَا زَادَ فِي الصَّدَقَةِ وَنَقَصَ مِنْ الْخَيْرِ، وَالْأَفْضَلِ فَلَا أَجْرَ فِيهِ، وَلَا خَيْرَ فِيهِ، وَلَا فَضْلَ فِيهِ، وَأَنَّهُ بَاطِلٌ، وَإِذَا كَانَ"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت