وأخرج ابن جرير من طريق يحيى بن أبي كثير، ومن طريق سعيد عن قتادة وابن أبي حاتم من طريق الحكم بن أبان عن عكرمة - بألفاظ مختلفة - قال: حث رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - على الصدقة [يعني في غزوة تبوك] فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف [أي درهم] ، فقال يا رسول اللّه، ما لي ثمانية آلاف، جئتك بنصفها وأمسكت نصفها. فقال:"بارك اللّه لك فيما أمسكت وفيما أعطيت". وجاء أبو عقيل بصاع من تمر فقال: يا رسول اللّه أصبت صاعين من تمر، صاع أقرضه لربي وصاع لعيالي. قال: فلمزه المنافقون، وقالوا: ما الذي أعطى ابن عوف إلا رياء. وقالوا ألم يكن اللّه ورسوله غنيين عن صاع هذا؟!
وفي روايات أخرى أنهم قالوا عن أبي عقيل [وهو الذي بات يعمل عند يهودي ليحصل على صاعين أجرا له جاء بأحدهما لرسول اللّه - صلى الله عليه وسلم -] إنه إنما أراد أن يذكر بنفسه!
ثم إن رجالًا من المسلمين أتوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - وهم البكاءون. وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم، فاستحملوا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - [أي طلبوا منه أن يحملهم على ركائب إلى أرض المعركة] ، وكانوا أهل حاجة. فقال: (لا أجد ما أحملكم عليه) . فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا ألا يجدوا ما ينفقون.
قال ابن إسحاق: فبلغني أن ابن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد اللّه بن مغفل [من السبعة البكائين] وهما يبكيان فقال: ما يبكيكما؟ قال: جئنا رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه. فأعطاهما ناضحًا له [أي جملًا يستقي عليه الماء] فارتحلاه. وزودهما شيئًا من تمر، فخرجا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم.
زاد يونس بن بكير عن ابن إسحاق: وأما علبة بن زيد [أحد البكائين] فخرج من الليل فصلى من ليلته ما شاء اللّه، ثم بكى وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه، وإني أتصدق على كل مسلم بكل مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض. . ثم أصبح مع الناس. فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"أين المتصدق هذه الليلة؟"فلم يقم أحد! ثم قال:"أين المتصدق؟ فليقم"فقام إليه فأخبره. فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"أبشر، فوالذي نفسي بيده، لقد كتبت لك في الزكاة المتقبلة". .
ثم خرج رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - بمن معه وقد قارب عددهم ثلاثين ألفًا من أهل المدينة ومن قبائلالأعراب من حولها. وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية من غير شك ولا ارتياب، منهم: كعب ابن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية [وهم الثلاثة الذين سيرد تفصيل قصتهم] وأبو خيثمة وعمير بن وهب الجمحي. . وضرب رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - عسكره على"ثنية الوداع"وضرب عبد اللّه بن أبي - رأس النفاق - عسكره على حدة، أسفل منه، قال ابن إسحاق: [وكانوا فيما يزعمون ليس بأقل العسكرين] . . ولكن الروايات الأخرى تقول: إن الذين تخلفوا فعلًا دون المائة. . فلما سار رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - تخلف عنه عبد اللّه بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب.
ثم مضى رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - سائرًا، فجعل يتخلف عنه الرجل، فيقولون: يا رسول اللّه، تخلف فلان، فيقول:"دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه تعالى بكم، وإن يكن غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه"حتى قيل: يا رسول اللّه، قد تخلف أبو ذر، وأبطأ به بعيره، فقال:"دعوه فإن يك فيه خير فسيلحقه اللّه بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم اللّه منه". وتلوم أبو ذر على بعيره [أي انتظر عليه] ، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ماشيًا. ونزل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - في بعض منازله، فنظر ناظر من المسلمين فقال: يا رسول اللّه، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده. فقال رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم:"كن أبا ذر"فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول اللّه، هو