دَلَّتْ الْآيَةُ، يَعْنِي قَوْلَهُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا * ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُقِرَّ التَّوَارُثُ بِالْقَرَابَةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ * الْآيَةَ. وَيُقَالُ إنَّهُ نُسِخَ بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا * فَعَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّهُ قَالَ: كَانَ عَلَى الْمُحْتَضَرِ أَنْ يُوصِيَ لِكُلِّ وَارِثٍ بِنَصِيبِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ فَمَنْ وَافَقَهُ مُصِيبٌ وَإِلَّا فَمُخْطِئٌ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمَوَارِيثِ ا هـ. قَوْلُهُ: (فَلِأَوْلَى) أَيْ فَلِأَحَقِّ ذَكَرٍ وَهُوَ الْأَقْرَبُ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الْعَصَبَاتِ، كَالِابْنِ مَعَ ابْنِهِ أَوْ الْأَقْرَبِ كَالشَّقِيقِ مَعَ الَّذِي لِلْأَبِ. ا هـ. م د. قَوْلُهُ: (لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ) الْأَوْلَى أَوْ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ فَيَكُونُ جَوَابًا ثَانِيًا. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ) أَيْ رَجُلٌ. وَكَانَ الْأَوْلَى الْإِظْهَارُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَشْتِيتِ الضَّمَائِرِ. قَوْلُهُ: (أَنَّهُ) أَيْ ذَكَرٌ. وَقَوْلُهُ:"عَامٌّ"فِيهِ أَنَّ ذَكَرًا لَيْسَ عَامًّا لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ بَلْ هُوَ مُطْلَقٌ وَقَوْلُهُ مَخْصُوصٌ أَيْ بِالْبَالِغِ. وَفِيهِ أَنَّ (رَجُلًا) لَا يُدْفَعُ هَذَا التَّوَهُّمُ بَلْ يُقَوِّيهِ. وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مَا قَابَلَ الْأُنْثَى دَفَعَهُ أَيْ دَفَعَ خُصُوصَهُ بِالْبَالِغِ. وَقَالَ م د: فَإِنْ قِيلَ لَوْ اقْتَصَرَ إلَخْ، تَعَقُّبٌ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي مَرْكَزِهِ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ فَرَجُلٌ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ قَبْلَ ذِكْرِ مَا بَعْدَهُ فَصَارَ الْمُحْتَاجُ لِلْجَوَابِ عَنْهُ هُوَ الثَّانِي. وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ كَلَامِ الشَّارِحِ بِأَنَّ هَذَا سُؤَالٌ مُرَتَّبٌ عَلَى الْجَوَابِ الَّذِي قَبْلَهُ وَهُوَ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ مَعَ الِاكْتِفَاءِ بِالثَّانِي فِي وَفَاءِ الْمُرَادِ إطْنَابٌ. فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لِدَفْعِ تَوَهُّمِ إرَادَةِ بَعْضِ أَفْرَادِ الذَّكَرِ وَهُوَ الرَّجُلُ الْبَالِغُ. قَوْلُهُ: (وَكَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ) أَيْ الْحَالَةُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قَبْلَ بَعْثَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَسَمَّاهَا مَوَارِيثَ لِلْمُشَاكَلَةِ وَهِيَ ذِكْرُ الشَّيْءِ بِلَفْظِ غَيْرِهِ لِوُقُوعِهِ فِي صُحْبَتِهِ تَحْقِيقًا أَوْ تَقْدِيرًا نَحْوُ: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ * أَيْ جَازَاهُمْ عَلَى مَكْرِهِمْ، فَذَكَرَ الْمُجَازَاةَ بِلَفْظِ الْمَكْرِ لِوُقُوعِهَا تَحْقِيقًا مُصَاحِبَةً لِمَكْرِهِمْ أَوْ اعْتِبَارِ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَإِلَّا فَهِيَ إعْطَاءَاتٌ لَا مَوَارِيثُ. وَقَالَ فِيمَا بَعْدَ الْأُولَى ثُمَّ نُسِخَ دُونَ الْأُولَى لِأَنَّ الْأُولَى بِالرَّايِ وَالِاجْتِهَادِ فَكَانَ إبْطَالُهَا لَا يُسَمَّى نَسْخًا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْمَرَاتِبِ فَإِنَّهَا بِالشَّرْعِ فَكَانَ إبْطَالُهَا نَسْخًا. قَوْلُهُ: (وَكَانَ) أَيْ التَّوَارُثُ وَالْمُرَادُ تَوَارُثٌ مَخْصُوصٌ وَهُوَ تَوَارُثُ السُّدُسِ كَمَا فِي الْجَلَالَيْنِ وَقَوْلُهُ بِالْحَلِفِ إلَخْ، أَيْ الْمُشَارِ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ * الْآيَةَ وَعِبَارَةُ الْجَلَالِ: وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ * جَمْعُ يَمِينٍ بِمَعْنَى الْقَسَمِ أَوْ الْيَدِ أَوْ الْحُلَفَاءِ الَّذِينَ عَاهَدْتُمُوهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ: فَآتُوهُمْ * أَعْطُوهُمْ نَصِيبَهُمْ * حَظَّهُمْ مِنْ الْمِيرَاثِ وَهُوَ السُّدُسُ. وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ * ا هـ. وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَ الشَّارِحِ وَالنُّصْرَةِ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ بِالْحَلِفِ عَلَى الْإِرْثِ وَالنُّصْرَةِ، أَيْ يَتَحَالَفَانِ عَلَى أَنْ يَنْصُرَ كُلٌّ مِنْهُمَا الْآخَرَ فِي حَيَاتِهِ وَيَرِثُهُ بَعْدَ مَمَاتِهِ. ا هـ. شَيْخُنَا. وَيَصِحُّ ضَبْطُ الْحَلِفِ فِي كَلَامِ الشَّارِحِ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَكَسْرِ اللَّامِ وَبِكَسْرِ الْحَاءِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَهُوَ الْعَهْدُ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ تَفْسِيرِ الْجَلَالِ ا هـ. قَوْلُهُ: (بِالْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ) أَيْ مَعًا أَيْ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ إذَا هَاجَرَا وَتَآخَيَا، أَيْ جُعِلَا أَخَوَيْنِ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَرِثُ الْآخَرَ. وَهَذَا مُشَارٌ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ * وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَاَلَّذِينَ آوَوْا * النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَنَصَرُوا * وَهُمْ الْأَنْصَارُ أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ * أَيْ فِي النُّصْرَةِ وَالْإِرْثِ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَالَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ * فَلَا إرْثَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ: حَتَّى يُهَاجِرُوا *. وَهَذَا مَنْسُوخٌ بِآخِرِ السُّورَةِ جَلَالَيْنِ، أَيْ قوله تعالى: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ *. قَوْلُهُ: (فَكَانَتْ الْوَصِيَّةُ وَاجِبَةً لِلْوَالِدَيْنِ) أَيْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ * الْآيَةَ. قَوْلُهُ: (بِآيَتَيْ الْمَوَارِيثِ) الْأَوْلَى أَنْ يَقُولَ بِآيَاتِ. قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فِيهِ نَظَرٌ، لِأَنَّ آيَةَ الْمَوَارِيثِ لَا تُعَارِضُهُ بَلْ تُؤَكِّدُهُ مِنْ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى تَقْدِيمِ الْوَصِيَّةِ مُطْلَقًا وَالْحَدِيثُ مِنْ الْآحَادِ وَتَلَقِّي الْأُمَّةِ لَهُ بِالْقَبُولِ لَا يُلْحِقُهُ بِالْمُتَوَاتِرِ. قَوْلُهُ: (أَلَا لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) أَيْ وَاجِبَةً. قَوْلُهُ: تَعَلَّمُوا الْفَرَائِضَ وَعَلِّمُوهُ * أَيْ عِلْمَ الْفَرَائِضِ) الْمَفْهُومُ مِنْ تَعَلَّمُوا، وَفِي رِوَايَةٍ: وَعَلِّمُوهَا * ق ل عَلَى الْجَلَالِ. وَقُدِّمَ فِي الْحَدِيثِ التَّعَلُّمُ عَلَى التَّعْلِيمِ لِأَنَّ التَّعَلُّمَ مُقَدَّمٌ عَلَى التَّعْلِيمِ طَبْعًا حَالَةَ التَّعَلُّمِ، فَقُدِّمَ وَضْعًا لِتَوَافُقِهِمَا. وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّقَدُّمِ الطَّبِيعِيِّ أَنْ يَكُونَ وُجُودُ الْمُتَأَخِّرِ مُحْتَاجًا إلَى الْمُتَقَدِّمِ وَلَا يَكُونُ الْمُتَقَدِّمُ عِلَّةً لَهُ وَتَعَلُّمُ عِلْمِ الْفَرَائِضِ بِالنِّسْبَةِ إلَى تَعْلِيمِهِ كَذَلِكَ، أَمَّا إنَّ التَّعَلُّمَ لَيْسَ عِلَّةً لِلتَّعْلِيمِ فَظَاهِرٌ وَإِلَّا لَزِمَ التَّعْلِيمُ مِنْ حُصُولِ التَّعَلُّمِ لِأَنَّ وُجُودَ الْمَعْلُولِ عِنْدَ وُجُودِ الْعِلَّةِ التَّامَّةِ ضَرُورِيٌّ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ حُصُولِهِ لِأَنَّ النَّاسَ كَثِيرًا مَا