سادسها: معنى التعذيب: تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة وغيرها، وهذا، اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين، ورجحه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين، واستشهدوا له بحديث قَيْلة بنت مَخْرمة وهو بفتح القاف وسكون التحتانية، وأبوها: بفتح الميم وسكون المعجمة، ثقفية: قلت: يا رسول الله قد ولدته فقاتل معك يوم الربذة ثم أصابته الحمى فمات، ونزل علي البكاء، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أيغلب أحدكم أن يصاحب صويحبة في الدنيا معروفًا وإذا مات استرجع؟ فوالذي نفس محمد بيده إن أحدكم ليبكي فيستعير إليه صويحبه فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم) ، وهذا من حديث طويل حسن الإسناد، أخرجه ابن أبي خيثمة، وابن أبي شيبة والطبراني وغيرهم، وأخرج أبو داود والترمذي أطرافًا منه.
قال الطبري: ويؤيده ما قال أبو هريرة رضي الله عنه: إن أعمال العباد تعرض على أقربائهم من موتاهم، ثم ساقه بإسناد صحيح إليه، وشاهده حديث النعمان بن بشير مرفوعًا أخرجه البخاري في (( تاريخه ) )وصححه الحاكم.
قال ابن المرابط: حديث قيلة نص في المسألة، فلا يعدل عنه، واعترضه ابن رشيد: بأنه ليس نصًا، وإنما هو محتمل فإن قوله: (فيستعير إليه صويحبه) ، ليس نصًا في أن المراد: الميت، بل يحتمل أن يراد به: صاحبه الحي، وأن الميت يعذب حينئذ ببكاء الجماعة عليه.
ويحتمل أن يجمع بين هذه التوجيهات فينزل على اختلاف الأشخاص، بأن يقال مثلًا: من كانت طريقته النوح فمشى أهله على طريقته أو بالغ فأوصاهم بذلك عذب بما ندب به، ومن كان يعرف من أهله النياحة وأهمل نهيهم عنها، وإن كان راضيًا بذلك التحق بالأول، وإن كان غير راض من عذب بالتوبيخ كيف أهمل النهي؟ ومن سلم من ذلك كله واحتاط، فنهى أهله عن المعصية، ثم خالفوه وفعلوا ذلك كان تعذيبه تألمه بما يراه منهم من مخالفة أمره وإقدامهم على معصية ربهم.