تنبيه: اعترض على البخاري بأنه لم يأت بخطبة تنبئ عن مقصوده مبدوءة بالبسملة والحمدلة، والتشهد والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما فعل غيره من المصنفين مع أنها مما هو كاللازم عليهم للاقتداء بالكتاب العظيم، وللعمل بقول النبي الكريم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع) وغير ذلك من الروايات التي تقدم بيانها قريبًا، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (كل خطبة ليس فيها تشهد - وفي لفظ: شهادة - فهي كاليد الجذماء) أخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه البيهقي، وبقوله عليه السلام: (كل كلام لا يبدأ فيه بذكر الله ثم بالصلاة عليّ فهو أقطع) . قال الزرقاني في (( شرح العزية ) ): وهو وإن كان ضعيفًا يعمل به في فضائل الأعمال.
وبقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الحافظ عبد القادر الرهاوي في (( أربعينه ) )عن أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بحمد الله والصلاة علي فهو أقطع أبتر ممحوق من كل بركة) مع أنه لم يبدأ إلا بالبسملة على ما في روايتي أبي ذر والأصيلي.
وأجيب عنه بأمور:
منها: أنه لا يتعين في الخطبة سياق مخصوص بحيث يمتنع العدول عنه؛ لأن الغرض منها الافتتاح بما يدل على المقصود، وهنا كذلك فإنه قد صدر كتابه بترجمة بدء الوحي المشتملة على الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم، وبالحديث الدال على أن العمل دائر مع النية، فكأنه قال: قصدت جمع وحي السنة المتلقى عن خير البرية على وجه سيظهر حسن
عملي فيه من قصدي الحسن، وإنما لكل امرئ ما نوى، فاكتفى بالتلويح عن التصريح، كما هو عادته في معظم تراجم هذا الكتاب، ومن ثم ختم كتابه بالتسبيح؛ لأن به تتعطر المجالس مع أنه كفارة لما قد يقع فيها من الإثم للمجالس.