(حديث: «إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ، كَمَا تَرَوْنَ هَذَا القَمَرَ، لاَ تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا» ثُمَّ قَرَأَ: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الغُرُوبِ} [ق: 39] ، قَالَ إِسْمَاعِيلُ: «افْعَلُوا لاَ تَفُوتَنَّكُمْ» )
(إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ) أي: رؤية محققة لا شك فيها.
قال ابن رجب: شبه الرؤية بالرؤية لا المرئي، وإنما شبه الرؤية برؤية البدر لمعنيين أحدهما: أن رؤية القمر ليلة البدر لا يشك فيها ولا يمترى، والثاني: يستوي فيه جميع الناس من غير مشقة وقد ظن المريسي وآخر أنه ممن ضل وافترى على الله أن هذا الحديث يرد لما يتضمن من التشبيه فضل وأضل.
واتفق السلف الصالح على تلقي هذا الحديث بالقبول قال يزيد بن هارون من كذب بهذا الحديث فهو بريء من الله ورسوله انتهى.
وجملة: (لاَ تُضَامُّونَ) إما حال من فاعل ترون وإما مستأنفة، وقوله: (فِي رُؤْيَتِهِ) متعلق بتضامون قال الخطابي: تضامون يروى على وجهين أحدهما مفتوحة ألفًا مشددة الميم، وأصله تتضامون حذفت إحدى التائين تخفيفًا أي: لا يضام بعضكم بعضًا كما يفعله بعض الناس في طلب الشيء الخفي يريد أنكم ترون ربكم وكل واحد منكم فارغ في مكانه لا ينازعه فيه أحدٌ، والوجه الآخر تضامون بضم التاء وتخفيف الميم من الضيم أي: لا يضيم بعضكم بعضًا في رؤيته انتهى.
وقال ابن الجوزي: لا تضامون بضم التاء المثناة وتخفيف الميم وعليه أكثر الرواة، وفي رواية بتشديد الميم مع ضم التاء وفي رواية لا تضامون أو لا تضاهون بالشك بالهاء بدل الميم أي: لا يعارض بعضكم بعضًا وروى تضارون بضم التاء والراء مخففة من الصيرورة وروي تمارون بالميم والراء من المماراة بمعنى المجادلة وسيأتي بسطه في التوحيد.
(فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لاَ تُغْلَبُوا) ببناء تغلبوا للمجهول إشارةً إلى قطع أسباب الغلبة المنافية للاستطاعة كالنوم والشغل المانعين عن العبادة والصلاة المقتضية للرؤية.
وقوله: (عَلَى صَلاَةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا) يعني: العصر والفجر كما في مسلم متعلق بتغلبوا (فَافْعَلُوا) أي: عدم المغلوبية التي لازمها الصلاة فهو كناية عن الإتيان بالصلاة كأنه قال: صلوا في هاتين الوقتين الصلاتين في جماعة لتروا ربكم، فلذا قال الخطابي فقول النبي صلى الله عليه وسلم عقبه فإن استطعتم يدل على أن الرؤية قد يرجى نيلها بالمحافظة على هاتين الصلاتين.
قال في (( الفتح ) )وقد يستشهد لذلك بما أخرجه الترمذي من
حديث ابن عمر رفعه قال إن أدنى أهل الجنة منزلة الحديث.
وفيه: وأكرمهم على الله من ينظر إلى وجهه غدوة وعشية وفي مسنده ضعف انتهى.
وقال ابن بطال: خص هذين الوقتين لاجتماع الملائكة فيهما ورفعهم أعمال العباد لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم.